حذرت تصريحات إيرانية رسمية من وجود المقاتلات المصرية داخل دولة الإمارات، بعدما وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية القوات المصرية بأنها “قوات أجنبية” على غرار توصيف طهران للقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج، ما فجّر مخاوف متصاعدة من انخراط نظام عبد الفتاح السيسي في صراع إقليمي مباشر لا يرتبط بالأمن القومي المصري، وسط تصاعد الحرب بين إيران وحلفاء واشنطن في المنطقة.
وكشفت التطورات الأخيرة عن انتقال السياسة المصرية من خطاب الحياد الدبلوماسي إلى الانخراط العسكري غير المعلن داخل الخليج، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية خانقة وتراجعًا داخليًا واسعًا، بينما يدفع السيسي بالجيش المصري نحو ترتيبات إقليمية قد تضع القاهرة في قلب مواجهة مفتوحة مع إيران وتحوّل الجنود المصريين إلى وقود لحسابات خليجية وأمريكية.
إيران تعتبر المقاتلات المصرية جزءًا من التحالف المعادي
قال الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال إن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية تتعامل مع وجود المقاتلات المصرية في الإمارات باعتباره امتدادًا للقوات الأجنبية المنتشرة في الخليج، مؤكدًا أن طهران لم تفرّق بين الوجود الأمريكي أو أي قوات أخرى تشارك في تأمين المجال الجوي الخليجي ضد إيران.
وأضاف محمود جمال أن إدخال القوات المصرية في هذا المشهد الإقليمي يحمل مخاطر سياسية وعسكرية مباشرة على القاهرة، لأن إيران تنظر إلى أي قوة مشاركة في ترتيبات الردع بالخليج باعتبارها طرفًا في المواجهة، وليس مجرد وسيط أو داعم لوجستي كما تحاول بعض الدوائر الرسمية المصرية الترويج.
كما أشار الباحث العسكري إلى أن مصر كانت تملك مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي بعيدًا عن الاصطفاف العسكري، خصوصًا أن الحرب الحالية لا ترتبط بتهديد مباشر للأراضي المصرية، بينما يؤدي الزج بالمقاتلات المصرية داخل قواعد خليجية إلى تغيير موقع القاهرة من دولة مراقبة إلى طرف محسوب داخل الصراع.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية يردّ على تواجد المقاتلات المصرية في دولة الإمارات، ويصفها بقوات أجنبية، كما تصف إيران القوات والقواعد الأمريكية في الخليج . توريط مصر في حربٍ ليس لها أي دخل بها قرارٌ خاطئ وسيكون له تداعيات،وكان على مصر التعامل مع الحرب من منطلق دبلوماسي فقط. https://t.co/ZSJE0Yjtxq
— Mahmoud Gamal (@mahmoud14gamal) May 11, 2026
وفي السياق نفسه أثارت زيارة عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الإمارات برفقة تحركات عسكرية مصرية تساؤلات متزايدة حول طبيعة التنسيق الأمني الجاري بين القاهرة وأبوظبي، خاصة مع تزامنها مع تصاعد التهديدات الإيرانية للقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج بعد اتساع دائرة المواجهة الإقليمية خلال الأسابيع الأخيرة.
السيسي يوسع التدخلات الخارجية رغم الانهيار الاقتصادي الداخلي
اعتبر الباحث السياسي محمد محسوب أن تورط الجيش المصري في أي ترتيبات عسكرية خارج الحدود يمثل امتدادًا لسياسات السيسي التي استنزفت مؤسسات الدولة وأدخلت القاهرة في محاور إقليمية تخدم بقاء النظام أكثر مما تخدم المصالح الوطنية المصرية.
وأوضح محسوب أن السلطة المصرية تواصل تقديم نفسها كشريك أمني لدول الخليج والولايات المتحدة مقابل الدعم السياسي والمالي، رغم أن هذا المسار يضاعف المخاطر على الجيش المصري ويهدد بتحويله إلى أداة ضمن صراعات إقليمية لا يملك القرار الكامل فيها ولا يحدد أهدافها النهائية.
كذلك جاء الحديث عن انتشار مقاتلات مصرية في الإمارات بينما تواجه القاهرة أزمة اقتصادية حادة تتعلق بالديون ونقص العملة الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما دفع معارضين إلى التساؤل حول جدوى الإنفاق العسكري الخارجي في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من المصريين من التدهور المعيشي المستمر.
ومن جهة أخرى يرى مراقبون أن النظام المصري يحاول تعويض تراجعه الداخلي عبر توسيع أدواره العسكرية الخارجية، سواء في البحر الأحمر أو ليبيا أو الخليج، بهدف تثبيت موقعه داخل التحالفات الإقليمية، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض الأمن القومي المصري لتوترات مباشرة مع قوى إقليمية كبرى مثل إيران.
مخاوف من جر الجيش المصري إلى حرب مفتوحة في الخليج
حذر الأكاديمي والخبير في العلاقات الدولية حسن نافعة من خطورة انزلاق مصر إلى أي مواجهة عسكرية في الخليج، مؤكدًا أن القاهرة دفعت أثمانًا باهظة تاريخيًا نتيجة الانخراط في صراعات خارجية استنزفت الجيش والاقتصاد دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية للدولة المصرية.
وأشار نافعة إلى أن النظام المصري يكرر أخطاء سابقة حين يربط أمن البلاد بحسابات إقليمية متغيرة، بينما تحتاج مصر إلى التركيز على أزماتها الداخلية وحدودها المباشرة بدلًا من الدخول في مواجهات معقدة تحمل أبعادًا أمريكية وإسرائيلية وخليجية تتجاوز قدرة القاهرة على التحكم في مساراتها.
وفي المقابل تزايدت التحذيرات داخل الأوساط السياسية المصرية من أن أي استهداف إيراني محتمل للقواعد أو القوات المشاركة في الخليج قد يضع الجنود المصريين في دائرة الخطر المباشر، خاصة بعدما بدأت طهران في توسيع خطابها تجاه كل القوات الأجنبية الموجودة في المنطقة دون استثناءات واضحة.
كما يرى معارضون أن السيسي يغامر بالمؤسسة العسكرية المصرية عبر إدخالها في معادلات الردع الإقليمي التي تقودها واشنطن وحلفاؤها، بينما لا يملك الشارع المصري أي معلومات واضحة حول طبيعة المهام العسكرية أو حدود المشاركة أو الإطار القانوني الذي يحكم وجود القوات المصرية بالخليج.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحركات العسكرية في الخليج تتصاعد المخاوف من أن يتحول الجيش المصري إلى طرف في حرب إقليمية مفتوحة لا تخدم المصريين، بينما يواصل النظام تقديم التزامات أمنية خارجية رغم اتساع الغضب الداخلي من الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي دفعت ملايين المواطنين إلى حافة الانهيار المعيشي.

