معن البياري

رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن

 

عبَر في الأخبار أن اللجنة الوزارية الإسرائيلية للشؤون التشريعية في الكنيست ناقشت، أمس الأحد، مشروع قانون إلغاء اتفاقية "إعلان المبادئ لترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي" الفلسطيني، المشهورة باتفاقية أوسلو، الموقّعة مع منظّمة التحرير الفلسطينية عام 1993. بزعم إنها "جلبت الإرهاب، وحان وقت التصحيح الوطني" بتعبير نائبة رئيس الكنيست، ليمور سون هار ميليخ، التي تقدّمت بمشروع القانون...

 

وليس من المزاح في شيءٍ أن يقول من سيقول إن هذا الخبر يصلُح للنشر في باب الطرائف، ذلك أن قراءتك تلك الاتفاقية، وما تلاها استيحاءً منها، ستجعلك تحتاج مجهرًا عساك ترى ما تنزّل من نصوصٍ انكتبت على الأرض. وفي البال أن شارون عندما أجهزت قواته على مطار ياسر عرفات الدولي في غزّة (تكلف إنشاؤه 80 مليون دولار)، في العام 2001، كان يقول إن اتفاقيات أوسلو واحدةٌ من بدع شيمون بيريس وعنديّاته، وظلّ يستخفّ بها، ولا يقيم لها اعتبارًا. وواصل لاحقوه هذا النهج، فلم يُبقوا من مخرجاتها إلا وجود سلطة فلسطينية، تدير شؤون "السكان"، تتدبّر أمور رواتب موظفيها بمعونات ومساعدات ومنح. بلا أي قدرةٍ على إنقاذ أحمد سعدات عندما تقتحم قوة إسرائيلية سجنًا فلسطينيًا وتختطفه، ولا على حماية أي فلسطيني في أثناء اعتداءاتٍ لا تتوقف على مخيّمات وبلدات ومدن مستباحة ومنكشفة أمام الوحش الإسرائيلي.

 

لا بأس من تكرار القول المعلوم إن اتفاق أوسلو سيئ، ويعرف سوءَه موقّعوه، ومنهم محمود عبّاس الذي قال، ساعة بعد توقيعه في باحة البيت الأبيض (1993)، إن الفلسطينيين لن يأخذوا أكثر مما سيعطيهم إياه الإسرائيليون. وتاليًا، راحت الأحلام والأوهام (الشعوب بحاجة إليهما في أزمنة الانكسار والانكشاف والهزائم) إلى أن النواة التي سيتيحها "أوسلو" للفلسطينيين في وطنهم ستمكّنهم من إقامة دولةٍ مستقبلًا، وإنْ تحت استحقاقات غير مُرضية، ولا تتفق مع شروط الدول ومواضعاتها، إذا اشتغلوا سياسةً بكيفيّات السياسة وأدواتها، وإذا اتّحدوا على رؤيةٍ باتجاه بناء دولة، وإذا فاوضوا بكفاءة، وإذا وازنوا بين الممكن والمأمول، وأمسكوا بمعادلاتٍ صعبة في إقليم لا يستقرّ على حال، ولا يضبطه إيقاع.

 

والذي صنعته السلطة الوطنية في سنتيها الأولين في قطاع غزّة كان مدهشًا وواعدًا، ودلّ على أن في وسع الكفاءات الفلسطينية أن تعمل وتُنجز وتبدع. ولا يجوز أن يُؤاخَذ من تفاءلوا، ومن عملوا بإخلاصٍ ونياتٍ وطنيةٍ صادقة، من أجل الذهاب في ذلك المجرى إلى آفاق يتيحها وكانت مرتقبة، ولم يكن من العسير تحقّقها. أما الذين يفترضون بأنفسهم كل الحكمة، ويظنّون فيهم فراسةً لم تعرفها زرقاء اليمامة، عندما يطلّون على المشهد البائس الراهن، فيذكّرون بممانعتهم إبّان "أوسلو" ورفضهم له ولنواتجه، بالقول إنهم كانوا محقين في العمل على إسقاطه، فالقول، في كل وقتٍ ومنذ تلك الغضون، إن المعارضة حقّ، بل واجب ومطلب، ولا جدال في أنهم زاولوا ما جاز لهم ولا يزال يجوز، غير أن ما يلزم أن يتذكّروه، وأن لا ينساه الجميع، أن سوء اتفاقيات أوسلو بيّنة، ولا حاجة إلى الاسترسال في محاضرات وعظية في هذا، فالذين ناصروها، عرفاتيون وغير عرفاتيين، وصاحب هذه السطور من أولئك، في غنىً عن هذا كله، منذ اليوم الأول، بل لهم مؤاخذاتٌ غزيرةٌ على الأداء التفاوضي الذي وصل إلى ما صار. وفي الوقت نفسه، لا أوهام بأن الجانب الفلسطيني في تلك المفاوضات كان كما الاتحاد السوفييتي في مفاوضاته مع الولايات المتحدة للحدّ من الأسلحة الاستراتيجية.

 

فضلًا عن هذه البديهيّة، لم يتنزّل على الأرض اتفاق أوسلو بمرحليّته، ولم تلتزم بكثير منها حكومات إسرائيل التي تعاقبت، لأنها في الأصل والجوهر ليست في وارد أن "تعطي" الفلسطينيين حقوقهم. وبالتالي، قوى الممانعة الإسرائيلية هي التي حطّمت الاتفاق، وعطلت إمكاناته وممكناته. والعمل العسكري والميداني الذي تعاظمت وتيرة وحشيّته، بذرائع عمليات "حماس" وغيرها، ظل نشطًا في جهده بغرض الإتيان على "أوسلو". وهذه حرب الإبادة في غزّة معلومة النتائج، حيث عاد الاحتلال العسكري إلى أجزاء من القطاع، وصرنا في متاهات مجلس السلام إياه ولجانه. وفي أثناء كل الحطام السياسي الذي نشهد، وكل خرائط التيه الظاهرة أمام كل العيون والأبصار، وأمام العطالة الرثة التي تبدو عليها السلطة الفلسطينية ورئاستها، يتذكّرون في الكنيست اتفاق أوسلو للخلاص منه... وهذا طريف، ويثير زوابع من أسئلةٍ لا تتوقف، سيما عن مدى القاع الذي يتدحرج إليه الحال الفلسطيني الراهن، إن أحدٌ في وسعه أن يرى نهايته!