قالت تصريحات متداولة عن اللواء سمير فرج، الخبير العسكري ومدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق، إن الرد الإيراني على مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب جاء صادمًا وأعاد المشهد إلى نقطة الصفر، وسط مؤشرات على تصعيد سياسي وعسكري جديد يهدد استقرار المنطقة ويعيد فتح ملفات الصراع في الخليج ومضيق هرمز بشكل أكثر حدة.
وتزامن هذا التصعيد مع حالة توتر دولي متزايدة حول مستقبل الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية بالملف النووي الإيراني وأزمات الطاقة العالمية، ما يعكس عجزًا واضحًا عن الوصول إلى تسوية سريعة بين طهران وواشنطن ويزيد من احتمالات استمرار المواجهة المفتوحة.
إيران تربط وقف الحرب بملفات العقوبات ومضيق هرمز
وفي هذا السياق، أوضح اللواء سمير فرج أن الرد الإيراني تضمن اشتراطات مرتبطة بفتح مضيق هرمز أمام التجارة العالمية مقابل رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، مع تأجيل مناقشة الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، وهو ما اعتبره مراقبون تحولًا في أسلوب التفاوض نحو فرض شروط متبادلة أكثر صرامة.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية روبرت مالي أن ربط طهران بين الملفين العسكري والاقتصادي يعكس استراتيجية ضغط متعددة المسارات، تهدف إلى تحسين موقعها التفاوضي مع واشنطن، خصوصًا في ظل اعتمادها الكبير على صادرات النفط وتعرضها لعقوبات تحد من قدرتها على المناورة الاقتصادية.
وبحسب معطيات سياسية متداولة، فإن هذا الرد أحدث ارتباكًا داخل الإدارة الأمريكية التي كانت تسعى إلى حصر الملف في إطار منع إيران من تطوير قدرات نووية، بينما وسعت طهران دائرة الشروط لتشمل وقف إطلاق النار في جبهات متعددة، بما فيها جبهة حزب الله، ما يعقد مسار أي اتفاق محتمل.
واشنطن بين ضغوط داخلية وحسابات الانتخابات وتكلفة الحرب
وبناءً على ذلك، أشار اللواء سمير فرج إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتذاكر السفر بنسبة تقارب 20%، ما يضع البيت الأبيض في مواجهة مباشرة مع الرأي العام قبل انتخابات التجديد النصفي، ويجعل إنهاء الحرب هدفًا سياسيًا ملحًا.
ويؤكد الخبير الاقتصادي جوزيف ستيغليتز أن أي تصعيد عسكري في المنطقة سينعكس فورًا على الاقتصاد الأمريكي عبر قنوات الطاقة والتضخم، موضحًا أن واشنطن لا تستطيع تحمل ارتفاع إضافي في أسعار النفط دون أن ينعكس ذلك على معدلات النمو والاستقرار الاجتماعي الداخلي.
كما لفتت التحليلات السياسية إلى أن واشنطن تعول على ورقة الحصار البحري المفروض على إيران، والذي يتسبب في خسائر يومية كبيرة نتيجة تعطّل صادرات النفط، ما يجعل هذه الأداة الاقتصادية جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط الأمريكي بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة في المرحلة الحالية.
مضيق هرمز والصين وحسابات التوازن الدولي في الأزمة
وفي إطار أوسع، أشار سمير فرج إلى أن إيران تستخدم ورقة زيارة ترامب المحتملة إلى الصين في الخامس عشر من الشهر الجاري للضغط على واشنطن، خاصة أن بكين تعد الشريك التجاري الأكبر لطهران وتستحوذ على نسبة كبيرة من صادراتها النفطية، ما يمنحها هامشًا سياسيًا في إدارة الأزمة.
وتوضح الباحثة في معهد بروكينغز تريتا بارسي أن العلاقات الصينية الإيرانية تلعب دورًا حاسمًا في موازنة الضغط الأمريكي، إذ تعتمد طهران على استمرار تدفق صادراتها إلى الصين لتخفيف آثار العقوبات، بينما تحاول بكين الحفاظ على استقرار سوق الطاقة دون الانخراط المباشر في الصراع.
وبالتالي، يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة باعتباره نقطة الضغط الأكثر حساسية، حيث يهدد أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة بزيادة أسعار النفط عالميًا ورفع تكاليف الشحن، ما يضع الاقتصاد الدولي أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار المرتبط مباشرة بالتطورات العسكرية والسياسية.
سيناريوهات التصعيد واحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة
وبالتوازي مع هذه التطورات، أشار التقرير إلى احتمالية لجوء الولايات المتحدة إلى دعم عسكري غير مباشر لإسرائيل في حال تصاعد الردود الإيرانية ضد القوات الأمريكية في المنطقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع تتجاوز حدود الردع التقليدي إلى صراع إقليمي مفتوح.
ويؤكد الخبير العسكري مارك هيرتلينغ أن أي انزلاق نحو مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران سيغير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بالكامل، موضحًا أن استهداف البنية العسكرية الإيرانية أو ردها على القواعد الأمريكية سيؤدي إلى توسع سريع في نطاق العمليات العسكرية.
كما أضاف أن الوضع الحالي لا يزال ضمن مرحلة الضغط المتبادل، لكن استمرار غياب التسوية السياسية يجعل احتمالات التصعيد أكثر ترجيحًا، خاصة مع تداخل الملفات النووية والاقتصادية والأمنية في آن واحد دون وجود قناة تفاوض فعالة قادرة على احتواء الأزمة.
ومع استمرار هذا المشهد المعقد، تبقى المنطقة أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها الحسابات السياسية بالاقتصادية والعسكرية، ما يجعل أي قرار خاطئ قادرًا على نقل الصراع إلى مستوى أعلى من التصعيد يصعب احتواؤه خلال المدى القريب.

