حذر رئيس شعبة صناعة الدواء باتحاد الغرف التجارية علي عوف من انتشار أدوية مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية داخل السوق المصرية، يتم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون موافقات رسمية من هيئة الدواء، بالتزامن مع تصاعد أزمة نواقص الأدوية وارتفاع أسعار الأصناف الحيوية، ما دفع مرضى الأمراض المزمنة والأورام والسكري إلى البحث عن العلاج خارج الصيدليات التقليدية أو اللجوء إلى بدائل أعلى تكلفة.

 

كشفت الأزمة اتساع الفجوة بين التصريحات الحكومية والواقع داخل سوق الدواء، بعدما تحولت شكاوى المرضى من نقص العلاج وارتفاع الأسعار إلى مشهد يومي، في وقت تعاني فيه شركات الأدوية من ارتفاع تكلفة الإنتاج والاستيراد بسبب الدولار واضطراب سلاسل الإمداد، بينما تواصل الحكومة إدارة الملف عبر إجراءات جزئية لم تمنع تفاقم الأزمة أو حماية الفئات الأكثر احتياجًا من الانهيار الصحي والمعيشي.

 

أدوية مغشوشة ونواقص متزايدة تدفع المرضى للاستجداء على مواقع التواصل

 

أكد علي عوف أن السوق المصرية تشهد انتشار أدوية مغشوشة ومنتهية الصلاحية تباع بعبوات تحمل أسماء شركات عالمية، محذرًا من خطورة شراء الأدوية عبر صفحات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا في ظل تزايد اختفاء بعض الأصناف الحيوية من الصيدليات والمستشفيات.

 

وأضاف عوف أن نقص بعض الأدوية لم يعد أزمة محلية فقط، بل يرتبط باضطرابات عالمية في التجارة وسلاسل الإمداد نتيجة الحروب والتوترات الاقتصادية، داعيًا المرضى إلى مطالبة الأطباء بكتابة المادة الفعالة داخل الوصفات الطبية بدلًا من الاكتفاء بالأسماء التجارية للأدوية.

 

في السياق نفسه اشتكى مرضى من صعوبة العثور على أدوية الأمراض المزمنة والأورام والسكري والعلاجات النفسية، مؤكدين أن رحلة البحث عن العلاج تستغرق ساعات طويلة يوميًا، بينما يضطر كثيرون إلى التنقل بين عشرات الصيدليات أو متابعة مجموعات التواصل الاجتماعي لمعرفة أماكن توافر الأصناف الناقصة.

 

كذلك تصاعدت شكاوى أهالي الأطفال المصابين بالسكري بسبب نقص بعض أنواع الإنسولين وشرائط قياس السكر داخل منظومة التأمين الصحي، رغم تأكيدات وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد بشأن توافر مخزون استراتيجي من الإنسولين داخل المخازن المركزية.

 

لكن أسر المرضى أكدت أن الأزمة لا ترتبط فقط بوجود المخزون، بل بفشل آليات التوزيع وعدم انتظام وصول الأدوية إلى المحافظات والصيدليات، ما يدفع بعض العائلات إلى تقليل الجرعات أو شراء بدائل مرتفعة السعر لا تتناسب مع قدرتها المالية.

 

من جانبه قال الدكتور مجدي راغب إن انتشار الأدوية المغشوشة يرتبط مباشرة بضعف الرقابة على قنوات البيع غير الرسمية، موضحًا أن نقص الأصناف الحيوية يخلق سوقًا موازية تستغل حاجة المرضى وتدفعهم نحو شراء مستحضرات غير معروفة المصدر.

 

وأوضح مجدي راغب أن غياب التوافر المنتظم للأدوية داخل الصيدليات يفتح المجال أمام التجارة غير القانونية، خاصة مع اعتماد بعض المرضى على صفحات إلكترونية تروج لأدوية غير مسجلة أو منتهية الصلاحية تحت ضغط الحاجة للعلاج.

 

علاوة على ذلك أشار صيادلة إلى أن بعض الأصناف تختفي فور وصولها إلى الصيدليات بسبب زيادة الطلب ولجوء مرضى إلى تخزين الأدوية خوفًا من زيادات سعرية جديدة أو استمرار النقص خلال الأشهر المقبلة.

 

في المقابل أكدت هيئة الدواء المصرية أنها تتابع السوق بصورة مستمرة، وتتخذ إجراءات رقابية ضد الأدوية غير المسجلة أو المغشوشة، غير أن البلاغات اليومية المتداولة بين المرضى والصيادلة تعكس اتساع الأزمة بصورة تتجاوز قدرة الجهات الرقابية الحالية.

 

ارتفاع تكلفة الإنتاج يهدد استمرار الشركات ويرفع أسعار العلاج

 

اعترف مسؤولون سابقون بغرفة صناعة الدواء بأن الصناعة المحلية تعتمد على استيراد نحو 90% من مستلزمات الإنتاج، التي تمثل ما يقرب من 75% من تكلفة تصنيع الدواء، ما يجعل السوق المصرية شديدة التأثر بارتفاع سعر الدولار واضطرابات الاستيراد والشحن العالمي.

 

وأوضح علي عوف أن شركات الأدوية تواجه صعوبة متزايدة في استمرار الإنتاج والتوريد بالأسعار الحالية، بعدما ارتفعت تكلفة التصنيع بنحو 40% نتيجة زيادة أسعار الخامات والشحن والتأمين والطاقة، مؤكدًا أن الأزمة تهدد استمرار بعض الأصناف منخفضة السعر داخل السوق.

 

في الوقت نفسه كشفت تقارير متداولة داخل سوق الدواء عن دراسة هيئة الدواء طلبات تقدمت بها شركات لرفع أسعار أدوية الأورام والتخدير والهرمونات والأدوية البيولوجية بنسبة تتراوح بين 15 و20% خلال الفترة المقبلة.

 

كما أشارت التقديرات إلى أن الزيادات المحتملة قد تشمل نحو 150 صنفًا دوائيًا من أصل 17 ألف دواء متداول في السوق المصرية، خاصة المستحضرات المستوردة أو التي تعتمد بصورة أساسية على خامات أجنبية مرتفعة التكلفة.

 

من جهته قال الدكتور محمد ربيع إن ارتفاع تكلفة المواد الخام المستوردة أصبح عاملًا رئيسيًا في زيادة الضغوط على شركات الأدوية، موضحًا أن تغيرات سعر الصرف وتكاليف النقل العالمية تؤثر بصورة مباشرة على تكلفة المستحضرات الصيدلانية.

 

وأضاف محمد ربيع أن الشركات باتت تواجه صعوبة في الحفاظ على مستويات الإنتاج السابقة، خاصة مع ارتفاع أسعار الخامات بين 20 و70% خلال الأشهر الماضية، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين عالميًا.

 

في السياق ذاته أكد أصحاب صيدليات أنهم يواجهون غضب المرضى بشكل يومي بسبب اختفاء بعض الأصناف أو ارتفاع أسعارها بصورة متكررة، بينما تعاني الصيدليات الصغيرة من نقص السيولة وتراجع هوامش الربح مع استمرار الأزمة.

 

كذلك أوضح صيادلة أن بعض الشركات خفضت الكميات الموردة إلى الأسواق، ما تسبب في اختفاء سريع للأدوية سريعة التداول، خصوصًا مع اتجاه بعض المواطنين إلى تخزين الأدوية خوفًا من موجات زيادة جديدة في الأسعار.

 

في المقابل أعلنت هيئة الدواء المصرية أنها تعتمد نظام تسعير “انتقائي” يقوم على دراسة تكلفة كل مستحضر بصورة منفصلة، مؤكدة أن أي زيادة سعرية تخضع لمراجعة دقيقة لضمان استمرار توفير الأدوية وعدم تحميل المرضى زيادات مفرطة.

 

لكن متابعين للقطاع الدوائي اعتبروا أن السياسات الحكومية الحالية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، خصوصًا مع استمرار الاعتماد شبه الكامل على استيراد المواد الخام، وغياب خطط واضحة لتوطين صناعة الخامات الدوائية وتقليل فاتورة الاستيراد.

 

أصحاب الأمراض المزمنة يدفعون ثمن فشل إدارة سوق الدواء

 

تعكس شكاوى المرضى خلال الشهور الأخيرة حجم الضغوط المعيشية والصحية الناتجة عن أزمة الدواء، بعدما أصبحت تكلفة العلاج الشهري تتجاوز القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من أصحاب الأمراض المزمنة والسرطانية والنفسية.

 

ويؤكد مرضى أن بعض العلاجات الأساسية اختفت لفترات طويلة من الأسواق، بينما ارتفعت أسعار بدائل أخرى بصورة مفاجئة، ما أجبر كثيرين على تقليل الجرعات أو تأجيل العلاج بسبب العجز عن تحمل النفقات الجديدة.

 

من جانبها قالت الدكتورة هالة شرف إن استقرار سوق الدواء يتطلب رقابة مستمرة على التوزيع وجودة المستحضرات وتوافرها داخل المحافظات، مؤكدة أن أي خلل في سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة على المرضى الأكثر احتياجًا للعلاج المنتظم.

 

وأوضحت هالة شرف أن استمرار نقص بعض الأدوية الحيوية يدفع المرضى نحو بدائل غير مضمونة أو أسواق غير رسمية، ما يضاعف المخاطر الصحية ويهدد سلامة المتداول داخل السوق المحلية.

بدوره حذر الدكتور أحمد السعيد من أن استمرار الضغوط على المصانع وشركات الاستيراد قد يؤدي إلى توسع فجوات النواقص الدوائية خلال الشهور المقبلة، خاصة في الأصناف المعتمدة على خامات مستوردة مرتفعة التكلفة.

وأشار أحمد السعيد إلى أن تقليل بعض المرضى للجرعات أو تأجيل العلاج بسبب ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى زيادة المضاعفات الصحية ومعدلات الوفاة، خصوصًا بين مرضى الأورام والسكري والأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج منتظم دون انقطاع.

في السياق نفسه يرى حقوقيون أن الأزمة الحالية تعكس غياب سياسة دوائية مستقرة تضمن حق المرضى في العلاج الآمن والمتاح، خاصة مع تصاعد الأعباء الاقتصادية على الأسر المصرية وتراجع قدرة المواطنين على تحمل تكلفة الدواء.

كما حذر متابعون من أن استمرار الأزمة دون تدخل جذري سيؤدي إلى توسع السوق السوداء للأدوية، وزيادة الاعتماد على المستحضرات مجهولة المصدر، في وقت تتراجع فيه قدرة المستشفيات الحكومية والصيدليات العامة على تغطية احتياجات المرضى.

وفي ظل استمرار نقص الأدوية الحيوية وارتفاع أسعار الأصناف الأساسية وتوسع شكاوى المرضى يومًا بعد يوم، تبدو أزمة الدواء في مصر واحدة من أكثر الأزمات المعيشية خطورة، بعدما تحول العلاج من حق أساسي إلى عبء اقتصادي وصحي يهدد ملايين الأسر، بينما تواصل الحكومة إدارة الملف عبر حلول مؤقتة لم توقف تدهور السوق أو تحمِ المرضى من موجة الغلاء والنقص المتصاعدة.