كشفت مصادر طبية وأمنية بمحافظة مطروح، الخميس، العثور على 12 جثة متحللة يُرجح أنها لشباب مصريين لقوا مصرعهم خلال محاولة هجرة غير نظامية عبر البحر المتوسط قرب منطقة أبو غليلة بمدينة سيدي براني، فيما نقلت سيارات الإسعاف الجثامين إلى مستشفى مطروح العام وبدأت النيابة العامة التحقيق وسط توقعات بوجود ضحايا آخرين لم يتم العثور عليهم بعد حتى الآن.
وأعادت الكارثة الجديدة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة المشهد المصري بوصفه نتيجة مباشرة لتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع معدلات الفقر والبطالة خلال السنوات الأخيرة، في وقت تتزايد فيه انتقادات معارضين وخبراء اقتصاديين لسياسات السلطة القائمة على التوسع في الاقتراض والمشروعات الضخمة مقابل تراجع فرص العمل الحقيقية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بصورة دفعت آلاف الشباب إلى اعتبار البحر أقل قسوة من الواقع داخل البلاد.
سواحل مطروح تتحول إلى مقبرة مفتوحة للهاربين من الأزمة الاقتصادية
وأفادت مصادر محلية في مدينة سيدي براني بأن أهالي منطقة أبو غليلة فوجئوا ببقايا قارب خشبي وجثث متحللة لفظتها أمواج البحر المتوسط على الشاطئ، في مشهد أثار حالة واسعة من الصدمة بين السكان بسبب صعوبة التعرف على الضحايا نتيجة تحلل الجثامين بصورة كبيرة بعد بقائها أيامًا في المياه.
كما أكدت فرق الإسعاف التي تعاملت مع الحادث نقل الجثامين إلى مشرحة مستشفى مطروح العام تحت تصرف جهات التحقيق، بينما بدأت السلطات إجراءات تحليل الحمض النووي لتحديد هويات الضحايا وأعمارهم، بالتزامن مع استمرار عمليات التمشيط البحري تحسبًا لوجود جثث أخرى مفقودة في محيط موقع الحادث.
فيما نقلت وكالة رويترز عن مصادر طبية وأمنية توقعاتها بارتفاع أعداد الضحايا خلال الساعات المقبلة، خصوصًا مع تضارب المعلومات حول عدد ركاب القارب الغارق ومسار الرحلة التي يُعتقد أنها انطلقت من السواحل الليبية باتجاه أوروبا مرورًا بالمياه الإقليمية المصرية.
ويأتي الحادث الجديد ضمن سلسلة متكررة من كوارث الهجرة غير النظامية التي شهدتها السواحل المصرية والليبية واليونانية والإيطالية خلال الأعوام الأخيرة، والتي راح ضحيتها مئات الشباب المصريين الفارين من البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية وانسداد الأفق الاقتصادي داخل البلاد.
وبحسب الباحث الاقتصادي الدكتور إبراهيم نوار فإن استمرار حوادث الهجرة غير النظامية يعكس فشل السياسات الاقتصادية في خلق فرص عمل حقيقية للشباب، مؤكدًا أن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي والمشروعات غير الإنتاجية أدى إلى اتساع معدلات الفقر والتهميش داخل قطاعات واسعة من المجتمع المصري.
كذلك أوضح نوار أن الدولة ضخت مليارات الدولارات في مشروعات إنشائية وعقارية ضخمة دون بناء قاعدة إنتاج صناعي وزراعي قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو ما دفع أعدادًا متزايدة من الشباب إلى البحث عن أي فرصة خارج البلاد مهما كانت خطورتها.
هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد تدفع الشباب نحو قوارب الموت
وفي السياق ذاته تصاعدت الانتقادات الموجهة لتوسع المؤسسة العسكرية في السيطرة على قطاعات الاقتصاد المدني خلال السنوات الماضية، بعدما امتد نفوذها إلى مجالات الإنشاءات والطرق والمواد الغذائية والدواء والخدمات والتجارة، وهو ما اعتبره اقتصاديون سببًا مباشرًا في تراجع دور القطاع الخاص وإغلاق آلاف الأنشطة الصغيرة والمتوسطة.
وأشار الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إلى أن المنافسة غير المتكافئة بين المؤسسات التابعة للدولة والقطاع الخاص أضعفت قدرة السوق على توليد فرص عمل مستقرة، خاصة مع حصول الجهات السيادية على امتيازات واسعة تتعلق بالإعفاءات الضريبية وتخصيص الأراضي والعقود الحكومية الكبرى.
وأضاف الولي أن تراجع النشاط الإنتاجي الحقيقي بالتوازي مع موجات التضخم المتلاحقة أدى إلى تآكل دخول الطبقة المتوسطة والفقيرة بصورة غير مسبوقة، وهو ما خلق بيئة اجتماعية تدفع الشباب نحو خيارات خطيرة مثل الهجرة غير النظامية أو العمل غير المستقر داخل الاقتصاد غير الرسمي.
بينما يرى الباحث الاقتصادي أحمد ذكر الله أن الحكومة ركزت خلال السنوات الأخيرة على مشروعات البنية التحتية والعاصمة الإدارية والمدن الجديدة باعتبارها واجهة سياسية للنظام، في مقابل إهمال قطاعات الصناعة والزراعة التي كانت تمثل تاريخيًا المصدر الأساسي لتشغيل ملايين المواطنين.
وأوضح ذكر الله أن اتساع الفجوة بين تكلفة المعيشة ومستويات الأجور جعل فكرة البقاء داخل مصر بالنسبة لكثير من الشباب مرتبطة بالعجز الدائم عن تأسيس حياة مستقرة أو توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ما جعل الهجرة بالنسبة لهم خيارًا اضطراريًا وليس مجرد حلم اقتصادي.
وعلى الرغم من القبضة الأمنية المشددة والإعلانات الرسمية المتكررة حول مكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن الوقائع الميدانية تظهر استمرار نشاط شبكات التهريب واستعداد آلاف الشباب للمخاطرة بحياتهم في البحر، بسبب غياب حلول اقتصادية واجتماعية حقيقية تعالج جذور الأزمة.
شباب مصر بين البطالة والفقر والموت في البحر المتوسط
ومنذ سنوات تواجه مصر معدلات مرتفعة من التضخم وارتفاع الأسعار بالتزامن مع تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع الأسر الفقيرة والمتوسطة التي باتت تواجه صعوبات متزايدة في تلبية الاحتياجات اليومية.
وفي هذا الإطار أكد الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الأوضاع المعيشية الحالية دفعت قطاعات واسعة من الشباب إلى فقدان الثقة في إمكانية تحسين أوضاعهم داخل السوق المحلية، خاصة مع محدودية فرص التوظيف وارتفاع تكاليف الزواج والسكن والتنقل بصورة تجاوزت قدرات ملايين المواطنين.
كما أوضح عبده أن استمرار رفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات العامة ضمن سياسات الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي أدى إلى زيادة الضغوط الاجتماعية بصورة حادة، بينما لم تنعكس وعود النمو الاقتصادي على حياة المواطنين اليومية أو مستويات دخولهم الحقيقية.
في المقابل تتحدث الحكومة باستمرار عن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية وارتفاع الاحتياطي النقدي وزيادة الاستثمارات الأجنبية، غير أن خبراء يرون أن تلك المؤشرات لم تنجح في تقليل معدلات الفقر أو خلق فرص عمل كافية، بل تزامنت مع زيادة أعباء الديون وتراجع مستويات المعيشة.
ومع كل حادث غرق جديد تتكرر مشاهد العائلات التي تنتظر أبناءها المفقودين على السواحل أو داخل المشارح، بينما تتحول قصص الضحايا إلى دليل جديد على حجم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها قطاع واسع من الشباب المصري الباحث عن أي فرصة للنجاة خارج الحدود.
في حين يواصل خفر السواحل وفرق الإنقاذ عمليات البحث قرب موقع الحادث، تتزايد المخاوف من تكرار المأساة خلال الفترة المقبلة مع استمرار الضغوط الاقتصادية وغياب حلول فعلية تعالج أسباب الهجرة غير النظامية بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية التقليدية.
وأمام تصاعد أعداد الضحايا باتت سواحل البحر المتوسط شاهدة على تحولات عميقة داخل المجتمع المصري، بعدما أصبح الموت في عرض البحر بالنسبة لكثير من الشباب احتمالًا أقل قسوة من البقاء داخل واقع اقتصادي يزداد اختناقًا عامًا بعد آخر تحت وطأة الديون والتضخم وتراجع فرص الحياة الكريمة.

