كشفت محاكم ونيابات مصرية خلال مايو 2026 عن سلسلة جديدة من جرائم العنف الأسري في القاهرة والجيزة والقليوبية والدقهلية، بعدما أحالت محكمة جنايات أوراق متهم قتل زوجته إلى مفتي الجمهورية تمهيدًا لإعدامه، بالتزامن مع جرائم متلاحقة شملت قتل أطفال وإطلاق نار بين أزواج وأقارب، ما أعاد ملف العنف العائلي إلى واجهة الجدل المجتمعي رغم تحركات الحكومة لتعديل قانون الأحوال الشخصية وإحالته إلى البرلمان.

 

وتأتي هذه الجرائم في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات متزايدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واتساع الضغوط النفسية داخل الأسر المصرية، بينما يرى متخصصون أن السلطة تتعامل مع الأزمة بمنطق تشريعي محدود يتجاهل جذور الانهيار المرتبطة بالفقر والبطالة وغياب الدعم النفسي وتراجع دور التعليم والإعلام، ما حول البيوت إلى ساحات توتر دائم وانفجار متكرر.

 

جرائم متلاحقة تكشف تصدع العلاقات داخل الأسرة المصرية

 

أكدت تحقيقات النيابة العامة أن المتهم بقتل زوجته أعد سلاحًا أبيض مسبقًا ونفذ الجريمة بعد خلافات متكررة بينهما، قبل أن تقرر المحكمة إحالة أوراقه إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، في واقعة أعادت الجدل حول تصاعد جرائم القتل داخل البيوت المصرية خلال الشهور الأخيرة.

 

وفي السياق نفسه شهدت مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة واقعة إطلاق قاضٍ سابق النار على زوجته داخل الممشى السياحي، بينما أحالت محكمة جنايات القاهرة أوراق أم متهمة بقتل أطفالها الثلاثة خنقًا داخل شقة بمدينة الشروق إلى المفتي تمهيدًا للحكم بإعدامها بعد ثبوت ارتكابها الجريمة.

 

كما سجلت محافظة القليوبية جريمة أخرى بعدما أطلق شخص النار على والد زوجته وطفله الصغير في منطقة باسوس، بينما شهدت محافظة الدقهلية اعتداء ابن وزوجته على والدته بسبب خلافات تتعلق بشقة سكنية، في مؤشر واضح على انتقال العنف من الخلافات الزوجية إلى العلاقات العائلية الممتدة.

 

كذلك شهد شهر سبتمبر الماضي جريمة مروعة في مدينة نبروه بالدقهلية بعدما قتل سائق أبناءه الثلاثة وطعن زوجته، فيما أطلق أب النار على زوجته وطفليه بالطريق الدائري في يونيو الماضي، وهي وقائع عززت المخاوف من تحول العنف الأسري إلى ظاهرة متكررة داخل المجتمع المصري.

 

من جانبه قال أستاذ الاجتماع السياسي سعيد صادق إن ارتفاع نسب الطلاق والضغوط النفسية والاقتصادية يمثل أرضية خصبة لتفاقم العنف داخل الأسرة، موضحًا أن كثيرًا من جرائم القتل تأتي بعد مراحل طويلة من العنف المتبادل والانهيار التدريجي في العلاقات الأسرية.

 

وأضاف صادق أن الحكومة تتجاهل معالجة الجذور الحقيقية للأزمة عبر التعليم والإعلام والدعم النفسي والاجتماعي، بينما تكتفي بإجراءات قانونية متأخرة لا تمنع وقوع الجرائم، مؤكدًا أن غياب التأهيل الأسري وتحول الضغوط الاقتصادية إلى عبء يومي يدفع بعض الأسر نحو الانفجار العنيف.

 

ضغوط اقتصادية ونفسية تدفع الأسر إلى حافة الانهيار

 

أوضح أستاذ الطب النفسي محمد المهدي أن الضغوط المعيشية الحادة التي تشهدها مصر خلال السنوات الأخيرة رفعت معدلات التوتر والاكتئاب والعنف داخل المنازل، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بصورة مستمرة دون وجود حماية اجتماعية كافية للأسر محدودة الدخل.

 

وأشار المهدي إلى أن الأزمات الاقتصادية لا تتحول تلقائيًا إلى جرائم، لكنها تخلق بيئة نفسية شديدة القسوة تدفع بعض الأشخاص إلى فقدان السيطرة على انفعالاتهم، خصوصًا مع غياب خدمات الدعم النفسي وضعف الثقافة المجتمعية المتعلقة بإدارة الخلافات الأسرية بطرق سلمية.

 

وفي الإطار ذاته يرى مراقبون أن التوسع في الأعباء الاقتصادية والديون وارتفاع تكاليف المعيشة أدى إلى تآكل الاستقرار داخل عدد كبير من الأسر، بينما باتت الخلافات اليومية المتعلقة بالسكن والنفقة والتعليم والعلاج أكثر حدة مع تراجع الدخول واتساع معدلات الفقر.

 

كما يربط متخصصون بين تصاعد العنف الأسري وبين تراجع قدرة الطبقة المتوسطة على الحفاظ على توازنها الاجتماعي، بعد موجات متتالية من الغلاء ورفع أسعار الخدمات الأساسية، وهو ما أدى إلى تصاعد مستويات الإحباط والغضب داخل قطاعات واسعة من المجتمع.

 

بدورها قالت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر إن التناول الإعلامي القائم على الإثارة دون معالجة حقيقية للأسباب الاجتماعية والنفسية يزيد من حالة القلق المجتمعي، مؤكدة أن الأسرة المصرية تعاني من تراجع واضح في منظومة القيم الإنسانية والتواصل الداخلي.

 

وأضافت خضر أن الأعمال الدرامية التي تركز على العنف والجريمة دون تقديم نماذج أسرية مستقرة ساهمت في تطبيع مشاهد الاعتداء داخل المجتمع، بينما غاب الدور التوعوي الحقيقي للمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية القادرة على احتواء الأزمة قبل تفاقمها.

 

قانون الأحوال الشخصية يواجه انتقادات وسط تشكيك في جدواه

 

أحالت الحكومة المصرية خلال مايو الحالي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى مجلس النواب، في محاولة لإعادة تنظيم ملفات الطلاق والنفقة والحضانة والرؤية والسكن، بعد سنوات طويلة من الجدل حول القوانين الحالية التي تعود بعض موادها إلى أعوام 1920 و1929 و1985.

 

وجاءت هذه الخطوة بعد توجيهات أصدرها عبد الفتاح السيسي للحكومة بسرعة الانتهاء من مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة، وسط حديث رسمي عن ضرورة الحفاظ على تماسك الأسرة المصرية وتقليل النزاعات المتعلقة بالطلاق والحضانة والحقوق المالية.

 

لكن خبراء قانونيين واجتماعيين شككوا في قدرة مشروع القانون وحده على وقف موجة العنف الأسري، معتبرين أن الأزمة أعمق من مجرد تعديلات تشريعية، وتتعلق بغياب السياسات الاجتماعية والاقتصادية القادرة على حماية الأسرة من الانهيار النفسي والمعيشي المتسارع.

 

وفي هذا السياق قالت المحامية والباحثة الحقوقية نهاد أبو القمصان إن الدولة تتعامل مع الأسرة باعتبارها ملفًا قانونيًا فقط، بينما تتجاهل تأثير الضغوط الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي والعنف النفسي على استقرار العلاقات داخل البيوت المصرية.

 

وأضافت أبو القمصان أن القوانين تحتاج إلى دراسات مجتمعية حقيقية تستند إلى الواقع اليومي للأسر، وليس إلى معالجات إجرائية معزولة، مؤكدة أن تجاهل أصوات المتخصصين والخبراء الاجتماعيين سيؤدي إلى استمرار الأزمة مهما تغيرت النصوص القانونية.

 

كذلك يرى متخصصون أن قضايا الحضانة والنفقة والرؤية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحات صراع مفتوحة بين الأزواج، في ظل بطء التقاضي وغياب آليات الوساطة الأسرية الفعالة، ما يضاعف حالة الاحتقان النفسي ويدفع بعض النزاعات إلى نهايات دموية.

 

وفي المقابل تتزايد الانتقادات الموجهة للحكومة بسبب تركيزها على الجوانب الأمنية والتشريعية دون إطلاق برامج حقيقية لدعم الصحة النفسية أو معالجة آثار الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي، رغم تصاعد المؤشرات المرتبطة بالعنف والانتحار والجريمة داخل المجتمع المصري.

 

وفي ختام المشهد تبدو جرائم العنف الأسري في مصر أبعد من مجرد وقائع جنائية منفصلة، بعدما تحولت إلى انعكاس مباشر لأزمة اجتماعية واقتصادية ممتدة تضغط على ملايين الأسر يوميًا، بينما تواصل الحكومة الحديث عن قوانين جديدة دون تقديم حلول حقيقية تعالج جذور الانهيار داخل البيوت المصرية قبل أن تتحول المآسي الفردية إلى ظاهرة عامة تهدد تماسك المجتمع بأكمله.