أثارت الأنباء المتداولة بشأن دراسة شركة «بي.بي» البريطانية بيع جزء من أصولها في قطاع الغاز الطبيعي بمصر موجة واسعة من التساؤلات حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في أحد أهم القطاعات الاستراتيجية للدولة. ورغم أن الشركة لم تؤكد اتخاذ قرار نهائي، واكتفت برفض التعليق على ما وصفته بـ«تكهنات السوق»، فإن مجرد طرح هذا الاحتمال أعاد إلى الواجهة ملف بيئة الاستثمار في قطاع الطاقة، ومدى قدرة الحكومة على الحفاظ على جاذبية السوق المصرية أمام الشركات العالمية الكبرى.

 

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل الكبير الذي تمثله «بي.بي» في قطاع الغاز المصري، إذ ضخت أكثر من 35 مليار دولار على مدار ستة عقود، وتسهم بنحو 60% من إنتاج البلاد من الغاز عبر مشروعاتها المشتركة في شرق وغرب دلتا النيل. كما أعلنت سابقًا اعتزامها استثمار 1.5 مليار دولار خلال العام المالي 2026/2027 في أنشطة الاستكشاف وتنمية الحقول، بالتزامن مع قرب بدء إنتاج بئر «فيوم 4» في يوليو المقبل بطاقة تصل إلى 100 مليون قدم مكعب يوميًا.

 

لكن في مقابل هذه المؤشرات، يرى عدد من الخبراء أن التفكير في التخارج الجزئي أو إعادة هيكلة الأصول يعكس مشكلات أعمق، تتعلق بالسياسات الحكومية، وطريقة إدارة ملف الطاقة، وتأخر سداد المستحقات، وغياب الرؤية المستقرة لجذب المستثمرين.

 

بيع محتمل يفتح الباب لأسئلة أكبر

 

يقول الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن دراسة شركة بحجم «بي.بي» بيع جزء من أصولها في مصر لا يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة مالية عابرة، بل هي «إشارة واضحة إلى أن المستثمر الأجنبي بات أكثر حذرًا في التعامل مع السوق المصرية، خاصة في القطاعات كثيفة الاستثمار وطويلة الأجل مثل الغاز والطاقة».

 

ويضيف النحاس أن الحكومة تتحمل جانبًا من المسؤولية، «لأنها لم تنجح في تقديم مناخ استثماري مستقر بالكامل، سواء من حيث وضوح السياسات أو سرعة تسوية الالتزامات المالية مع الشركاء الأجانب». ويرى أن الشركات الكبرى تعيد تقييم وجودها عادة عندما تواجه ضغوطًا تتعلق بالعوائد أو السيولة أو القدرة على تحويل الأرباح.

 

انتقادات لإدارة الحكومة لملف مستحقات الشركاء

 

من جانبه، يؤكد الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن أي حديث عن تخارج جزئي أو إعادة توزيع أصول من قبل شركة دولية كبرى «يجب أن يُقرأ في سياق أوسع يتعلق بطريقة إدارة الدولة لعلاقاتها مع المستثمرين الأجانب في قطاع الطاقة».

 

ويقول نافع إن الحكومة واجهت خلال السنوات الماضية انتقادات متكررة بشأن تأخر سداد مستحقات شركات النفط والغاز الأجنبية، موضحًا أن «هذا الملف ظل نقطة ضعف مزمنة، ويؤثر مباشرة على قرارات التوسع والاستمرار». ويضيف أن الإعلان عن استثمارات جديدة لا ينفي وجود تحديات، لأن الشركات قد تواصل العمل في بعض الحقول القائمة، لكنها في الوقت نفسه تعيد هيكلة محافظها الاستثمارية تحسبًا لأي مخاطر مستقبلية.

 

تراجع الإنتاج المحلي يكشف خلل السياسات

 

أما الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، فيرى أن المسألة لا ترتبط فقط بقرارات الشركات العالمية، بل تعكس أيضًا «خللًا في أولويات الحكومة بخصوص إدارة قطاع الغاز». ويشير إلى أن مصر، التي تحولت قبل سنوات إلى لاعب إقليمي مهم في الغاز، عادت لتواجه ضغوطًا مرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الحاجة إلى الاستيراد خلال فترات الذروة.

 

ويضيف أبو العلا أن الحكومة لم تتحرك بالسرعة الكافية لتحفيز المزيد من الاستكشافات والإنتاج، كما أن «الاعتماد المفرط على المعالجات قصيرة الأجل بدلًا من وضع استراتيجية إنتاج مستدامة أضعف ثقة بعض المستثمرين». وبحسب رأيه، فإن أي تقليص في وجود شركات رئيسية مثل «بي.بي» يجب أن يُنظر إليه كجرس إنذار، لا كتحرك تجاري طبيعي فقط.

 

الحكومة مطالبة بإصلاحات أعمق

 

بدوره، يقول الدكتور إكرام بدر الدين، الخبير في الشؤون الاقتصادية والطاقة، إن الحكومة مطالبة بإجراء مراجعة شاملة لطريقة إدارتها للقطاع، إذا أرادت الحفاظ على مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة. ويرى أن المشكلة ليست في وجود استثمارات معلنة أو آبار جديدة فقط، بل في «قدرة الدولة على بناء علاقة طويلة الأمد مع المستثمر قائمة على الثقة والاستقرار والشفافية».

 

ويضيف بدر الدين أن الرسائل الصادرة عن السوق حاليًا «مختلطة»، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن استثمارات جديدة وخطط توسع، تتردد أنباء عن بيع أصول وإعادة تموضع من جانب شركات كبرى. ويؤكد أن هذا التناقض يفرض على الحكومة تقديم توضيحات وإجراءات عملية، بدلًا من الاكتفاء بالرسائل التفاؤلية.

 

بين التطمينات الرسمية ومخاوف السوق

 

ورغم عدم وجود قرار نهائي معلن من جانب «بي.بي»، فإن مجرد دراسة بيع جزء من الأصول يكفي لإثارة القلق، خاصة في ظل حساسية ملف الطاقة بالنسبة للاقتصاد المصري. فالإنتاج المحلي من الغاز يرتبط مباشرة بتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة، كما يؤثر على فاتورة الاستيراد والضغط على العملة الأجنبية.

 

ويرى مراقبون أن الحكومة أصبحت مطالبة اليوم بأكثر من مجرد طمأنة الرأي العام، إذ يتعين عليها معالجة الأسباب الهيكلية التي قد تدفع مستثمرًا بحجم «بي.بي» إلى إعادة تقييم وجوده. وفي حال لم تُتخذ خطوات جادة لتحسين مناخ الاستثمار وتسوية الالتزامات وتقديم رؤية مستقرة للقطاع، فقد تجد مصر نفسها أمام تحدٍ أكبر يتمثل في تراجع شهية الشركات الدولية لضخ استثمارات جديدة في سوق كانت حتى وقت قريب واحدة من أكثر أسواق الغاز جذبًا في المنطقة.