دخلت منطقة الخليج مرحلة شديدة الحساسية بعد تعرض منشآت حيوية في الإمارات والسعودية لهجمات بطائرات مسيرة، في تطور يعكس اتساع رقعة التوتر المرتبط بالحرب الإيرانية والتصعيد المستمر بين طهران وواشنطن، وسط جمود دبلوماسي يهدد بانهيار وقف إطلاق النار الهش، ويفتح الباب أمام احتمالات مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وشهدت الساعات الأخيرة استهداف محطة “براكة” للطاقة النووية في الإمارات، بالتزامن مع إعلان السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيرة قالت إنها دخلت من المجال الجوي العراقي، فيما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات جديدة لإيران، مطالبًا إياها بـ”التحرك سريعًا” قبل فوات الأوان، في إشارة إلى تعثر المساعي السياسية الرامية لإنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر.
استهداف محطة “براكة” النووية
وقالت السلطات الإماراتية إن الدفاعات الجوية تعاملت مع ثلاث طائرات مسيرة دخلت البلاد من الجهة الغربية، مؤكدة إسقاط اثنتين منها، بينما تمكنت الثالثة من إصابة مولد كهربائي خارج النطاق الداخلي لمحطة “براكة” النووية.
وأكدت الجهات الرسمية أن الاستهداف لم يؤثر على سلامة المحطة أو عملياتها التشغيلية، كما لم تُسجل أي إصابات بشرية أو تسربات إشعاعية، في وقت أعلنت فيه الهيئة الاتحادية للرقابة النووية استمرار عمل المنشأة بصورة طبيعية.
ووصف المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، الهجوم بأنه “تصعيد خطير”، مؤكدًا أن أبوظبي تحتفظ بحق الرد الكامل على ما اعتبره “اعتداءً إرهابيًا”، سواء نُفذ بشكل مباشر أو عبر وكلاء إقليميين.
ويعد استهداف منشأة مرتبطة بالطاقة النووية تطورًا بالغ الحساسية، خاصة أن محطة “براكة” تُعد إحدى أبرز المنشآت الاستراتيجية في الخليج، وهو ما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الدعوة لممارسة “أقصى درجات ضبط النفس” عسكريًا بالقرب من المنشآت النووية.
السعودية ترفع مستوى التأهب
وفي الرياض، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيرة قالت إنها كانت متجهة نحو أراضي المملكة عبر المجال الجوي العراقي، مؤكدة أن القوات المسلحة “ستتخذ الإجراءات العملياتية اللازمة” للتعامل مع أي تهديد يستهدف أمن البلاد وسيادتها.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر من الهدوء النسبي الذي أعقب دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ في أبريل الماضي، إلا أن الهجمات بالطائرات المسيرة عادت مجددًا لتضرب أهدافًا خليجية، ما يعكس هشاشة التفاهمات القائمة وصعوبة تثبيت التهدئة.
حرب الظل تعود إلى الخليج
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت عدة دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية لهجمات متكررة، في إطار ما بات يُعرف بـ”حرب الاستنزاف الإقليمية”، والتي تصاعدت عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في فبراير الماضي.
وشملت العمليات العسكرية آنذاك استهداف منشآت للطاقة والبنية التحتية داخل إيران، إضافة إلى مواقع عسكرية وأمنية، ما دفع طهران إلى الرد عبر هجمات مباشرة وغير مباشرة استهدفت مصالح أمريكية وخليجية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن تكثيف الهجمات الأخيرة يرتبط بإعلان واشنطن عن مهمة بحرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي لاحقًا تعليق المهمة بصورة مفاجئة.
مأزق سياسي يهدد بانفجار جديد
وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة أسابيع على وقف إطلاق النار، فإن المفاوضات السياسية لا تزال تراوح مكانها، في ظل تمسك كل طرف بشروطه الأساسية.
فالولايات المتحدة تطالب إيران بتفكيك برنامجها النووي وتقليص نفوذها الإقليمي ورفع يدها عن مضيق هرمز، بينما تصر طهران على إنهاء العقوبات والحصار المفروض على موانئها، والحصول على تعويضات عن الخسائر التي خلفتها الحرب.
وفي تصعيد لافت، كتب ترامب عبر منصته “تروث سوشال” أن “الوقت ينفد أمام إيران”، محذرًا من أن عدم التوصل لاتفاق سريع قد يؤدي إلى نتائج كارثية.
كما كشف موقع “أكسيوس” أن الإدارة الأمريكية تدرس خيارات عسكرية جديدة تجاه إيران، وسط توقعات بعقد اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي لبحث السيناريوهات المحتملة.
طهران تتوعد برد “مفاجئ”
في المقابل، ردت إيران بلهجة شديدة، حيث أكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي أن أي هجوم أمريكي جديد سيقود إلى “سيناريوهات عدوانية ومفاجئة”، مضيفًا أن واشنطن “ستغرق في مستنقع من صنع أيديها”.
أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، فاتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة تحميل طهران مسؤولية اضطراب أسواق الطاقة، رغم أن الأزمة – بحسب قوله – جاءت نتيجة “العدوان العسكري غير المبرر” على إيران.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
ومع استمرار التوتر، يظل مضيق هرمز في قلب الأزمة، بعدما تسبب تعطل الملاحة فيه باضطرابات غير مسبوقة في أسواق النفط العالمية وارتفاعات حادة في الأسعار.
وتقول واشنطن إنها نجحت في تحويل مسار عشرات السفن التجارية لضمان الالتزام بالعقوبات والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، بينما أعلنت طهران أنها تعمل على إعداد آلية جديدة لتنظيم الملاحة داخل المضيق.
ويرى خبراء أن أي تصعيد إضافي في المنطقة قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية، خصوصًا مع اعتماد الأسواق الدولية بشكل كبير على صادرات الخليج النفطية والغازية.
لبنان يدخل على خط التوتر
وبالتوازي مع التصعيد الخليجي، لا تزال جبهة لبنان تشهد توترات متقطعة بين إسرائيل وحزب الله رغم الاتفاق الأخير على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا إضافية.
غير أن الاشتباكات المتفرقة واستمرار الغارات المتبادلة يعكسان صعوبة الوصول إلى تهدئة مستقرة، في وقت تربط فيه إيران بين ملفات المنطقة المختلفة، من الخليج إلى لبنان، ضمن معادلة ضغط متشابكة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

