أقر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة بمحور الشيخ زايد في الجيزة، بأن تحقيق الاكتفاء الذاتي من جميع المحاصيل صعب، بينما قالت إن المشروع يوفر نحو 2 مليون فرصة عمل ويعتمد على مشاركة القطاع الخاص في الزراعة والإنتاج.

 

وبذلك تحولت منصة افتتاح مشروع زراعي ضخم إلى اعتراف رسمي بحدود قدرة الدولة على تأمين غذاء المصريين من الداخل، وجاءت الرسالة أكثر قسوة على المواطنين الذين يواجهون أسعار غذاء مرتفعة، لأن الحكومة تطلب منهم انتظار عوائد مشروعات باهظة، ثم تعلن أن الاكتفاء الكامل خارج الحساب.

 

اعتراف السيسي يضغط على خطاب الأمن الغذائي

 

في كلمته خلال الافتتاح، ربط السيسي صعوبة الاكتفاء الذاتي بعوامل مناخية ومائية وبيئية، وقال إن الأمر لا يخص مصر وحدها بل معظم دول العالم، ثم أشار إلى أن مصر تستورد سنويا ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف، إلى جانب كميات ضخمة من القمح.

 

غير أن هذا الاعتراف جاء بعد سنوات قدمت فيها الدولة مشروعات الدلتا الجديدة وتوشكى وشرق العوينات باعتبارها ركيزة لتقليل الاعتماد على الخارج، ولذلك بدا التصريح كأنه يخفف سقف الوعود القديمة، ويعيد تعريف الهدف من الاكتفاء إلى مجرد تقليل الفجوة الاستيرادية.

 

ويخدم رأي الدكتور نادر نور الدين، الخبير الدولي في الحبوب والغذاء، هذا المحور لأنه يوضح أن الاكتفاء الكامل غير ممكن عالميا بسبب اختلاف الموارد والمناخ، لكنه يضع الحكومة أمام معيار آخر، وهو قدرة الدولة على ضمان الغذاء الأساسي دون تعريض المواطن لهزات الأسعار والعملات.

 

لذلك لا يمنح حديث الخبراء للحكومة تفويضا بتطبيع الاعتماد على الخارج، لأن الأمن الغذائي لا يعني ترديد صعوبة الاكتفاء، بل يعني إدارة القمح والأعلاف والزيوت بسياسات توريد عادلة ومخزون كاف ودعم واضح للمزارعين، حتى يعيش المواطنون حياة كريمة لا تتحكم فيها أزمات الاستيراد.

 

فاتورة الاستيراد تكشف حدود مشروع الدلتا الجديدة

 

وخلال حديثه عن مشروع الدلتا الجديدة، قال السيسي إن المشروع يوفر فرص عمل مستدامة لا مؤقتة، وإن شركات خاصة تتولى الزراعة وفق اتفاقات مسبقة على المحاصيل المطلوبة والدورة الزراعية، وهو ما يضع القطاع الخاص في قلب مشروع يفترض أن يمس الأمن الغذائي لا الربح فقط.

 

في المقابل، يفتح هذا النموذج سؤالا مباشرا عن أولوية المحاصيل داخل الأراضي الجديدة، لأن الدولة تتحدث عن قمح وذرة وأعلاف وزيوت، بينما تحدد الشركات اختياراتها وفق الجدوى والعائد، وهذا قد يترك المواطن أمام فجوة غذائية مستمرة إذا غابت الرقابة العامة على خريطة الإنتاج.

 

ويعزز رأي الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي، هذا المحور لأنه يعتبر القمح المحصول الاستراتيجي الأول في ملف الأمن الغذائي، كما ربط رفع الاكتفاء بزيادة إنتاجية الفدان واستنباط أصناف جديدة، وهي رؤية تجعل السياسات الزراعية اليومية أهم من مشاهد الافتتاح الكبرى.

 

كما أن تصريحات وزارة الزراعة عن إمكانية وصول مصر خلال السنوات المقبلة إلى اكتفاء ذاتي من القمح بين 60 و70% تكشف مفارقة واضحة، فالحكومة تعلن هدفا رقميا طموحا، بينما يترك الخطاب الرئاسي مساحة واسعة لتقبل استمرار الاستيراد، والمواطن يدفع فرق الأسعار عند كل أزمة خارجية.

 

المياه وفرص العمل لا تعفي الحكومة من الحساب

 

وفي جانب المياه، تحدث السيسي عن معالجة مياه الصرف الزراعي معالجة ثلاثية، وإنشاء مسارين بطول 150 كيلومترا لكل منهما، واستخدام 19 محطة رفع رئيسية لتوفير المياه اللازمة لزراعة 2.2 مليون فدان، وهو عرض يبرز ضخامة البنية الأساسية وكلفة إدارتها المستمرة.

 

لكن ضخامة الإنشاءات لا تلغي السؤال عن كلفة الفدان والعائد الغذائي المباشر، لأن الرئاسة قالت إن تكلفة المشروع تقترب من 800 مليار جنيه، وبين 350 و400 ألف جنيه لكل فدان، وهذه أرقام تفرض محاسبة صارمة على المحاصيل المنتجة وأثرها الحقيقي في أسعار الغذاء.

 

ويخدم رأي الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، هذا المحور لأنه وصف المشروع بأنه تحد ضخم في منطقة صحراوية محدودة الموارد المائية، وشرح اعتماده على مياه النيل والصرف الزراعي المعالج والمياه الجوفية، بما يؤكد أن المياه ليست تفصيلا فنيا.

 

ومن ثم، تصبح وعود الوظائف وحدها غير كافية لتبرير الخطاب الحكومي، لأن فرصة العمل مهمة، لكنها لا تعالج وحدها فاتورة القمح والأعلاف ولا تحمي الأسر من تضخم الغذاء، والحكومة مطالبة بإعلان إنتاج فعلي ومواعيد توريد وأثر سعري، لا الاكتفاء بذكر فرص العمل المستدامة.

 

كذلك يضع الاعتماد على الأسواق الخارجية مصر تحت ضغط الأزمات الدولية والحروب وتقلبات الشحن والطاقة، فكل طن قمح أو علف مستورد يمر عبر عملة صعبة وسعر عالمي ومخاطر نقل، ولذلك تبدو تصريحات استحالة الاكتفاء وكأنها إعلان مبكر باستمرار هشاشة المائدة المصرية أمام الخارج.

 

وفي الخلاصة، لا تواجه الحكومة أزمة في صياغة الشعارات بل في نتائجها الملموسة، فمشروع بحجم الدلتا الجديدة يجب أن يخفض فاتورة الغذاء لا أن يبرر استمرارها، ويجب أن يحمي المواطن من الأسعار لا أن يطلب منه قبول العجز كحقيقة نهائية، لأن الأمن الغذائي حق يومي لا عنوان افتتاح.