أيمن صادق
عضو مجلس الشعب السابق عن حزب الحرية والعدالة
في كل مرة يسمع فيها المصريون أرقاما جديدة عن الموازنة أو الديون، تبدو المسألة للبعض وكأنها مجرد تفاصيل اقتصادية معقدة تخص الحكومة وحدها. لكن الحقيقة أن هذه الأرقام أصبحت اليوم تتحكم في كل شيء تقريبا: سعر الخبز، فاتورة الكهرباء، قيمة الجنيه، مستوى العلاج، جودة التعليم، وحتى قدرة الناس على الاستمرار في حياة طبيعية.
موازنة مصر الجديدة لا تكشف فقط عن أزمة مالية، بل تكشف عن دولة باتت تتحرك تحت ضغط الديون أكثر مما تتحرك وفق خطط تنمية حقيقية. فحين تلتهم خدمة الدين ما يقارب 5.2 تريليون جنيه، وحين يصبح الاقتراض هو المصدر الرئيس لتغطية الإنفاق، فإن السؤال لم يعد: كيف ستنمو الدولة؟ بل: كيف سيعيش المواطن أصلا وسط هذا الثقل الهائل من الأعباء الاقتصادية؟
لم تعد الأزمة مجرد "عجز موازنة" أو "ضغوط اقتصادية" كما تُقدَّم في التصريحات الرسمية، نحن أمام اقتصاد بات يعمل تحت هيمنة الدين، ودولة أصبح همّها الأول ليس التنمية أو تحسين حياة المواطنين، بل تدبير أقساط وفوائد القروض قبل أي شيء آخر.
الأرقام لم تعد قابلة للتجميل، فالدين الخارجي يواصل الصعود، وخدمة الدين تبتلع الجزء الأكبر من موارد الدولة، والاقتراض الجديد صار هو الوسيلة الأساسية لتغطية عجز قديم يتفاقم عاما بعد عام. وبينما يُطلب من المواطن شد الحزام وتحمل الغلاء ورفع الدعم، تستمر فاتورة الديون في التهام الحاضر والمستقبل معا.
الدين الخارجي.. قنبلة تتضخم عاما بعد عام
بحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ الدين الخارجي نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بعد أن كان قرابة 168 مليار دولار في نهاية 2023. ورغم التراجع المؤقت خلال 2024، عاد الدين للارتفاع مجددا بصورة متسارعة.
لكن الأخطر ليس الرقم الحالي فقط، بل الاتجاه العام. فصندوق النقد الدولي يتوقع أن يتجاوز الدين الخارجي المصري 180 مليار دولار خلال العام المالي 2026/2027، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 200 مليار دولار خلال سنوات قليلة.
هذا يعني ببساطة أن كل مولود جديد في مصر يأتي إلى الدنيا محمّلا بحصة من الديون، دون أن يكون قد حصل بعد على تعليم جيد أو رعاية صحية محترمة أو فرصة اقتصادية حقيقية.
والأخطر أن هذه الديون ليست مجرد أرقام على الورق، بل التزامات حقيقية بالدولار يجب سدادها، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلا من نقص العملة الأجنبية، وتراجع الإنتاج، واعتماد متزايد على الاستيراد. وفي أول ثلاثة أشهر فقط من العام المالي 2025/2026، سدّدت مصر أكثر من 6.4 مليار دولار كخدمة للدين الخارجي بين فوائد وأقساط، وهو رقم يكشف حجم النزيف المستمر للعملة الصعبة في اقتصاد يعاني أصلا من أزمة دولار مزمنة.
موازنة 2026/2027.. دولة تقترض لتسدد ديونها
تكشف أرقام الموازنة الجديدة صورة أكثر قسوة من أي خطاب سياسي؛ الحكومة تتحدث عن موارد تُقدّر بنحو 8.175 تريليون جنيه، بينما تصل الاستخدامات والمصروفات إلى نحو 9.7 تريليون جنيه. لكن الصدمة الحقيقية تظهر عند النظر إلى بند خدمة الدين:
- فوائد الديون فقط: 2.419 تريليون جنيه.
- إجمالي خدمة الدين (فوائد + أقساط): نحو 5.227 تريليون جنيه.
- الاقتراض الجديد يشكل حوالي 49.1 في المئة من موارد الدولة.
- فوائد الدين وحدها تلتهم نحو 60 في المئة من الإيرادات العامة.
- نحو 64 في المئة من استخدامات الموازنة يذهب لسداد الديون وأعبائها.
بمعنى أوضح: من كل جنيه يدخل خزينة الدولة، يذهب أكثر من نصفه مباشرة للدائنين. أي دولة يمكنها أن تتقدم بينما الجزء الأكبر من دخلها يذهب لسداد فوائد قروض قديمة؟ كيف يمكن بناء مدارس أو مستشفيات أو مصانع بينما الأولوية المطلقة أصبحت للبنوك وصناديق التمويل الدولية؟ كيف يمكن الحديث عن "تنمية" بينما الدولة نفسها تعتمد على الاقتراض لتغطية نفقاتها الأساسية؟
المواطن يدفع الفاتورة كل يوم
قد تبدو هذه الأرقام بعيدة عن المواطن البسيط، لكنها في الحقيقة موجودة في كل تفصيلة من حياته اليومية. حين ترتفع أسعار الوقود والكهرباء.. حين تتآكل قيمة المرتبات.. حين يزداد سعر الخبز.. حين تختفي السلع المدعومة تدريجيا.. حين تتحول المستشفيات الحكومية إلى أماكن عاجزة عن تلبية الحد الأدنى.. حين تصبح الدروس الخصوصية ضرورة لا رفاهية.. فأنت ترى الأثر المباشر للدين؛ لأن الدولة عندما تُستنزف مواردها في خدمة القروض، فإنها تعوّض ذلك من جيب المواطن.
ولهذا لم تعد الضرائب والرسوم والغرامات والاستقطاعات مجرد إجراءات مالية، بل أصبحت وسيلة دائمة لتمويل عجز متضخم لا يتوقف. المواطن المصري اليوم يدفع ثمن سياسات اقتصادية لم يشارك في صنعها، لكنه يتحمل نتائجها وحده: تضخم، وتآكل دخول، وانخفاض قيمة الجنيه، وغلاء يلتهم أي زيادة في الرواتب قبل أن تصل إلى الجيوب. ولذلك لم يعد السؤال: "لماذا ترتفع الأسعار؟"، بل أصبح: "إلى أي مدى يمكن للمواطن أن يتحمل؟"
الفقر لم يعد استثناء.. بل نتيجة طبيعية
حين تصبح خدمة الدين أولوية تتقدم على الإنسان، فإن اتساع الفقر يصبح نتيجة منطقية لا مفاجأة؛ الطبقة الوسطى تتآكل بسرعة، والفقراء يزدادون فقرا، وشرائح جديدة من المجتمع تدخل دائرة العجز كل يوم، وتضخم مستمر، وتراجع في القوة الشرائية، وارتفاع أسعار الغذاء، وصعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية، واتساع رقعة الفقر بصورة باتت واضحة للجميع.
الأسرة التي كانت تستطيع العيش بمرتب متوسط قبل سنوات، أصبحت اليوم عاجزة عن تغطية الأساسيات؛ الطعام وحده يلتهم أغلب الدخل، بينما تتحول الاحتياجات الأخرى إلى رفاهية مؤجلة: علاج، وتعليم جيد، وسكن ملائم، أو حتى قدرة على الادخار. وهكذا يتحول الاقتصاد تدريجيا إلى اقتصاد نجاة لا اقتصاد تنمية.
التعليم والصحة.. الضحية الدائمة
في الدول الطبيعية، تُقاس قوة الموازنة بما تنفقه الدولة على الإنسان، أما في الحالة المصرية، فقد أصبحت المقارنة مؤلمة. فبينما تتجاوز فوائد الديون وحدها 2.4 تريليون جنيه، تعاني قطاعات الصحة والتعليم من نقص التمويل الحقيقي القادر على إحداث تغيير جذري.
والنتيجة واضحة للجميع: مدارس مكتظة، وتدهور مستوى التعليم، وهجرة الأطباء، ونقص الخدمات الطبية، وتراجع القدرة الشرائية للمعلمين والأطباء والموظفين.
كل جنيه إضافي يُدفع للدائنين يعني جنيها أقل يُنفق على الإنسان المصري. ولهذا يشعر المواطن أن الخدمات تتراجع رغم كل الأرقام الضخمة التي تُعلنها الحكومة، لأن الجزء الأكبر من الموارد لا يذهب أصلا إلى تحسين حياته، بل إلى سد فجوات الديون.
اقتصاد بلا إنتاج.. وديون بلا نهاية
المشكلة لم تعد فقط في حجم الدين، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه. فالديون تصبح مقبولة نسبيا إذا كانت تُستخدم لبناء اقتصاد إنتاجي قوي: مصانع، زراعة، تكنولوجيا، صادرات، وظائف حقيقية. لكن حين يتحول الاقتراض إلى وسيلة لسد العجز وتمويل الإنفاق الجاري ومشروعات لا تحقق عائدا سريعا بالدولار، فإن النتيجة تكون دورة لا تنتهي من الاستدانة.
نقترض لسداد ديون قديمة، ثم نقترض مجددا لسداد القروض الجديدة، ثم ترتفع الفوائد، ثم نحتاج قروضا إضافية. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة يصبح الخروج منها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
الأزمة هنا ليست أزمة نقص أموال فقط، بل أزمة إدارة اقتصادية كاملة، تقوم على الاقتراض المستمر دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق ثروة حقيقية ومستدامة.
صندوق النقد.. الحاضر الدائم في الاقتصاد المصري
حين تصبح الدولة بحاجة دائمة إلى التمويل الخارجي، فإن القرار الاقتصادي لا يبقى مستقلا بالكامل. فالقروض الدولية تأتي دائما بشروط: خفض الدعم، زيادة الضرائب، وتعويم العملة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وبيع الأصول العامةن توسيع دور القطاع الخاص.
ولهذا لم يعد صندوق النقد مجرد "جهة تمويل"، بل أصبح لاعبا أساسيا في رسم السياسات الاقتصادية اليومية للمصريين. والمشكلة أن المواطن يتحمل التكلفة فورا، بينما تبقى الوعود بتحسن الأوضاع مؤجلة دائما إلى المستقبل. وكلما زاد الاعتماد على الاقتراض الخارجي، زادت قدرة المؤسسات الدولية على التأثير في السياسات الداخلية للدولة، ليس فقط اقتصاديا، بل اجتماعيا أيضا.
حتى الماضي لم يسلم من الأزمة
المأساة لم تعد تهدد الحاضر والمستقبل فقط، بل امتدت إلى الماضي نفسه. حين تضطر دولة لبيع أصولها التاريخية، وأراضيها، ومؤسساتها العامة، وحتى تراثها الاقتصادي، من أجل سد أزمات مالية متكررة، فإنها لا تستهلك مستقبلها فقط، بل تبيع أجزاء من ذاكرتها الوطنية أيضا.
الأزمات لا تُحل بل تُرحَّل، والديون لا تنخفض بل يعاد تدويرها، والمواطن يُطلب منه كل مرة أن يتحمل "مرحلة انتقالية" جديدة لا تنتهي. حتى الأصول التي بناها المصريون عبر عشرات السنين، يجري التفريط فيها اليوم تحت ضغط الحاجة إلى الدولار والسيولة، وكأن البلد يأكل من تاريخه ليؤجل انفجار أزماته قليلا.
ماذا يعني استمرار هذا المسار؟
إذا استمرت السياسات الاقتصادية الحالية بنفس المنطق، فإن الأجيال القادمة لن ترث اقتصادا قويا، بل سترث ديونا أكبر، وخدمات أضعف، وعملة أكثر هشاشة، وضرائب أعلى، وفرصا أقل.
الأخطر أن هذا الإرث لن يقع على الأبناء فقط، بل على أحفاد الأبناء أيضا. فالديون السيادية طويلة الأجل لا يدفع ثمنها جيل واحد، بل أجيال متعاقبة، وحين تُستهلك موارد الدولة في خدمة الدين بدل التنمية، فإن المجتمع كله يدفع الثمن: في التعليم.. في العلاج.. في السكن.. في فرص العمل.. وفي القدرة على العيش بكرامة.
ومع كل عام جديد، يصبح الخروج من الأزمة أكثر كلفة، لأن الديون لا تبقى ثابتة، بل تتضخم بفوائدها، بينما تتراجع القدرة الحقيقية للمواطن على الاحتمال.
كلمة أخيرة للمواطن المصري
انتبه جيدا لما يحدث حولك؛ الدين ليس رقما في تقرير رسمي.. الدين هو الغلاء.. هو تراجع الخدمات.. هو القلق من المستقبل.. هو الخوف على الأبناء.. هو الشعور بأن الحياة تصبح أصعب مهما زاد العمل والتعب.
حين تسمع عن أرقام الديون، لا تتعامل معها كأنها أخبار اقتصادية بعيدة عن حياتك. هذه الأرقام هي السبب في الغلاء الذي يطاردك، وفي تراجع الخدمات، وفي القلق الذي يسيطر على ملايين الأسر بشأن المستقبل.
الدين لا يسكن في تقارير البنك المركزي فقط، بل يسكن في فاتورة الكهرباء، وسعر الدواء، ومصاريف المدرسة، وثمن الطعام، وقيمة الجنيه التي تتآكل كل يوم.
وإذا استمرت السياسات نفسها، فإن الأزمة لن تتوقف عند هذا الجيل؛ سيولد أبناؤك وأحفادك وهم مطالَبون بسداد أثمان لم يشاركوا في صنعها أصلا. ولن يكون التأثير على المستقبل وحده، بل على الماضي أيضا. فالدولة التي تعجز عن إدارة حاضرها، تبدأ تدريجيا في بيع ما بناه السابقون: شركات، وأصول، أراضٍ، ومقدرات ظلت لعقود جزءا من ذاكرة المصريين الاقتصادية والوطنية.
الأمم القوية تبني مستقبلها بالإنتاج والعلم والعدالة الاجتماعية، أما الأمم التي تعيش على الاقتراض بلا حدود، فإنها تظل تطارد الديون حتى تبتلع حاضرها ومستقبلها.. وربما ماضيها أيضا.

