حذر إبراهيم أبو العطا، الأمين العام للنقابة العامة لأصحاب المعاشات، مساء الاثنين 18 مايو 2026، من أن تبكير صرف معاش يونيو قبل عيد الأضحى يمثل كارثة على أصحاب المعاشات، لأن المستفيد سيحصل على دخله مبكرًا ثم يبقى بعد العيد نحو 37 يومًا يواجه مصروفاته بلا مورد جديد.
وتكشف هذه الأزمة أن الحكومة تبيع قرار التبكير كأنه دعم، بينما هو في حقيقته تقديم لموعد صرف حق قائم لا إضافة حقيقية، فصاحب المعاش لا يحتاج إلى صورة احتفالية قبل العيد، بل يحتاج إلى منحة أو زيادة أو حماية من الغلاء والسيستم المعطل.
تبكير الصرف ليس منحة بل ترحيل للأزمة
كانت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي قد أعلنت تبكير صرف معاشات يونيو 2026 ليبدأ يوم الأحد 24 مايو، عبر ماكينات الصراف الآلي ومكاتب البريد وفروع البنوك والمحافظ الإلكترونية، وقالت إن القرار جاء بتوجيهات رئاسية لتيسير حصول أصحاب المعاشات على مستحقاتهم قبل إجازة العيد.
لكن هذا القرار لا يضيف جنيهًا واحدًا إلى دخل صاحب المعاش، لأنه يسحب معاش يونيو من موعده الطبيعي إلى موعد سابق، ثم يترك الأسرة بعد العيد أمام فترة أطول حتى معاش يوليو، وهي فترة وصفها أبو العطا بأنها ستجعل صاحب المعاش يعض في صوابعه.
ومن هنا يخدم رأي إبراهيم أبو العطا هذا المحور مباشرة، لأنه فرّق بين التبكير والمنحة، وقال إن الأكرم كان صرف منحة عيد بدل تقديم المعاش، موضحًا أن صاحب المعاش سيواجه بعد الصرف المبكر نحو 37 يومًا بلا دخل جديد في ظل أسعار تضغط على كل بيت.
كما أن تجربة التبكير نفسها ليست جديدة، فقد سبق صرف معاش أبريل 2025 مبكرًا قبل عيد الفطر، وصرفت الهيئة وقتها 38 مليار جنيه لأصحاب المعاشات والمستحقين، لكن تكرار الآلية نفسها يؤكد أن الحكومة تفضل تغيير يوم الصرف بدل تغيير قيمة الحماية الاجتماعية.
عوائد بالمليارات وغياب منحة العيد
استند أبو العطا إلى تصريحات رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بشأن عوائد استثمار أموال المعاشات، إذ بلغت عوائد الاستثمار 124 مليار جنيه عن مبالغ مستثمرة تقارب 732 مليار جنيه، ثم تساءل عن سبب عدم تخصيص جزء بسيط من هذه العوائد لأصحاب المعاشات قبل العيد.
وبحسب حساب أبو العطا، فإن صرف منحة بقيمة 2000 جنيه لكل صاحب معاش كان سيكلف نحو 15 مليار جنيه فقط، وهو مبلغ أقل بكثير من عوائد الاستثمار المعلنة، وكان سيمنح كبار السن قدرة حقيقية على شراء احتياجات العيد بدل استنزاف معاش الشهر التالي.
في المقابل، يمثل موقف اللواء جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، زاوية الحكومة الرسمية، لأنه يركز على أن الصرف المبكر يحقق الانسيابية ويمنع التكدس، وأن أموال التأمينات تدار من خلال صندوق استثمار ولها قوائم مالية ترسل إلى جهات الدولة.
لكن هذه الرواية الرسمية لا تجيب عن السؤال الاجتماعي الأهم، وهو لماذا تبقى عوائد ضخمة مثل 124 مليار جنيه بعيدة عن منحة موسمية محدودة لأصحاب المعاشات، خصوصًا أن هؤلاء لا يتحدثون عن منة حكومية بل عن أموال تخصهم وحقوق تراكمت عبر سنوات العمل.
كما أن حديث أبو العطا عن أن أموال المعاشات الموجودة في سندات وأذون وليست سيولة جاهزة يفتح بابًا آخر، فالحكومة تقدم رقم العوائد كدليل قوة، لكنها عندما يطالب أصحاب المعاشات بجزء منها تتحول الأرقام إلى أوراق وأدوات دين لا تصل إلى جيوبهم.
السيستم يتعطل وأصحاب الحقوق ينتظرون
لم تأت أزمة التبكير وحدها، فقد سبقتها أزمة السيستم الجديد في هيئة التأمينات، بعدما أطلقت الهيئة منظومة التحول الرقمي في 24 فبراير 2026، وقالت إن الأنظمة الرقمية الضخمة تواجه تحديات في المرحلة الأولى، وإنها تعمل على مدار الساعة لتحقيق استقرار المنظومة.
وفي تصريحات أبو العطا، ظهرت انفراجة محدودة في أزمة السيستم، إذ قال إن عددًا من المواطنين المتضررين منذ فبراير تلقوا رسائل بنكية تفيد بتحويل مستحقاتهم المتأخرة، ومنها معاشات الورثة ومصاريف الجنازة وتسويات المعاشات، معربًا عن أمله في استمرار الاستقرار الإلكتروني.
وهنا يخدم رأي سعيد الصباغ، أحد القيادات النقابية البارزة في ملف المعاشات، البعد الاجتماعي للأزمة، فقد سبق أن حذر من معاناة أصحاب المعاشات عندما جرى صرف معاشات قبل العيد يوم 24 في الشهر، لأن التبكير يخلق أزمة خانقة بعد انتهاء موسم الإنفاق.
كذلك يوضح هذا الربط أن المشكلة ليست موعد صرف فقط، بل منظومة كاملة من حقوق متأخرة وسيستم مرتبك ومعاشات محدودة، فالورثة ومصاريف الجنازة وتسويات المعاشات ليست رفاهية إدارية، بل أموال تحتاجها أسر فقدت عائلها أو تنتظر حقها بعد سنوات عمل.
ومن ثم، تصبح عبارة التيسير على أصحاب المعاشات ناقصة إذا لم تشمل انتظام السيستم وتعويض المتضررين وتسريع صرف المستحقات المتأخرة، لأن المواطن الذي ينتظر معاش ورثة أو تسوية أو مصاريف جنازة لا تعنيه دعاية الصرف المبكر بقدر ما يعنيه وصول ماله في وقته.
معاش مبكر قبل العيد وجوع مالي بعده
تضع الحكومة أصحاب المعاشات أمام معادلة قاسية، فهي تمنحهم أموالهم مبكرًا قبل العيد، ثم تتركهم يواجهون أيامًا طويلة بعد العيد بلا دخل جديد، بينما ترتفع أسعار الطعام والدواء والمواصلات والكهرباء والاتصالات، ولا ينتظر البقال أو الصيدلي موعد معاش يوليو.
لهذا لا يمكن اعتبار التبكير إنجازًا اجتماعيًا كاملًا، لأن الإنفاق في موسم العيد أعلى من الأيام العادية، وصاحب المعاش سيصرف على اللحوم والمواصلات والعيدية والعلاج، ثم يدخل شهرًا طويلًا يحتاج فيه إلى تقشف أقسى، وهذا ما جعل وصف الكارثة أقرب إلى واقع كثيرين.
كما أن أصحاب المعاشات ليسوا كتلة رقمية داخل بيان رسمي، بل فئة كبيرة تشمل كبار سن وأرامل وورثة ومرضى، وكثير منهم يعتمد على المعاش كمصدر وحيد، ولذلك كان من الأجدر بالحكومة أن تصرف منحة عيد لا أن تقدم راتب شهر كامل وتترك الفراغ بعده.
وفي النهاية، لا يحتاج أصحاب المعاشات إلى تبكير يوسع الفجوة بين دخلين، بل يحتاجون إلى سياسة حماية حقيقية من عوائد أموالهم، فمن يعلن 124 مليار جنيه عوائد لا يجوز أن يعجز عن منحة 2000 جنيه تحفظ كرامة العيد وتمنع 37 يومًا من القلق.

