كشفت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية بنهاية 2025 عن تضخم محافظ التمويل غير المصرفي في مصر إلى نحو 417 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 8 مليارات دولار، مع أكثر من 9.8 مليون عقد تمويلي و64 مليون عميل، بينما سجلت نسب التعثر أقل من 3%.

 

وتعني نسبة تعثر تقترب من 3%، عند قراءتها على قاعدة 64 مليون عميل، أن السوق قد يقترب حسابيا من نحو 1.9 مليون حالة تعثر محتملة، حتى مع اختلاف طريقة القياس الرسمية، وهو رقم يكشف أن نمو التقسيط لم يعد قصة نجاح فقط، بل إنذار اجتماعي واسع.

 

القروض الشخصية تتحول إلى بديل للراتب

 

بدأت أزمة التمويل الاستهلاكي من تحوله السريع من أداة شراء استثنائية إلى جزء يومي من إنفاق الأسر، فقد امتد التقسيط من السلع المعمرة إلى التعليم والصحة والإلكترونيات والسفر ومصاريف المعيشة، بينما تراجعت قدرة الأسر على الدفع النقدي تحت ضغط التضخم وتآكل الدخول.

 

وبحسب البيانات الرسمية، قفز التمويل الاستهلاكي وحده إلى 96.3 مليار جنيه في 2025، مقابل 61.3 مليار جنيه في 2024، بنسبة نمو بلغت 57%، واستفاد منه أكثر من 10.8 مليون عميل، بما يكشف تمددًا واسعًا لا يمكن اعتباره نشاطًا هامشيًا.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي محمد فؤاد، البرلماني والاقتصادي، أصل الأزمة، لأنه حذر من أن التوسع في الاقتراض قد يدخل المجتمع في سكة غارمين وغارمات، مؤكدًا أن التمويل لا يجب أن يحبس المواطن أو يطحنه بسبب قسط سلعة صغيرة.

 

كما ربط فؤاد الخطر بتراجع الادخار المحلي إلى نحو 218 مليار جنيه في 2024 و2025، بما يعادل 1.2% من الناتج المحلي، مقابل 848 مليار جنيه و6.1% في العام السابق، وهو ما يعني أن الاقتراض يتم فوق قاعدة دخل ضعيفة لا فوق مدخرات مستقرة.

 

لذلك لا تبدو القروض الشخصية والقروض الاستهلاكية علامة رفاهية، بل تبدو في كثير من البيوت تعويضًا اضطراريًا عن عجز المرتب، فالمواطن لا يشتري دائما لأنه يريد رفع مستوى حياته، بل لأنه لا يملك سيولة حالية تدفع ثمن احتياجات أصبحت أساسية.

 

التعثر الرسمي أقل من 3% لكنه يخفي كتلة ضخمة

 

تقدم الرقابة المالية نسبة التعثر الأقل من 3% باعتبارها دليلًا على سلامة القطاع، لكن حجم السوق يجعل هذا الرقم الصغير ظاهريًا كبيرًا اجتماعيًا، فوجود 64 مليون عميل يعني أن أي نسبة تعثر محدودة قد تتحول إلى مئات الآلاف أو قرابة مليوني حالة عند الحساب الواسع.

 

غير أن خطورة الرقم لا تتوقف عند الحساب العددي، لأن محمد فؤاد أشار إلى اختلاف طريقة حساب التعثر بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي، فالبنوك تحسب التعثر على إجمالي القرض، بينما قد تعتمد بعض شركات التمويل على القسط المتأخر لا أصل الدين الكامل.

 

وبذلك قد تبدو نسبة 3% أقل من حجم الضغط الحقيقي على العملاء، لأن الأسرة التي تتأخر في قسط هاتف أو جهاز أو مصاريف تعليمية لا تظهر بالضرورة كخطر كامل في البيانات، لكنها تعيش فعليًا في دائرة غرامات وتأجيل والتزام شهري لا يرحم.

 

في المقابل، يدافع إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، عن منظومة الرقابة، مؤكدًا أن الهيئة ألزمت الشركات بتطبيق معايير بازل 3 الخاصة بكفاية رأس المال والرافعة المالية والسيولة ونسب التركز الفردي والقطاعي بموجب القرار رقم 137 لسنة 2025.

 

لكن تطبيق المعايير لا يمحو السؤال السياسي والاجتماعي، لأن سلامة الشركة لا تعني سلامة العميل، وقد يكون رأس المال كافيًا والسيولة منظمة بينما المواطن نفسه يغرق في التزامات شهرية متداخلة بين تمويل استهلاكي وقرض شخصي وخدمات مؤجلة الدفع.

 

بنوك الظل وخطر الشرارة الصغيرة

 

صعّد هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي، المخاوف عندما حذر من تمدد شركات التمويل غير المصرفي واقتراب بعضها من نموذج بنوك الظل، مشيرًا إلى أن السوق تضم نحو 2500 شركة، وأن بعض الممارسات قد تخلق فقاعة تمويلية إذا غابت الجدارة الائتمانية.

 

وقال عز العرب إن الشرارة الصغيرة في قطاع التمويل غير المصرفي قد تهز الاقتصاد بأكمله، وشبّه الخطر بأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، حيث أدت قروض غير منضبطة داخل مؤسسات صغيرة إلى موجة انهيار واسعة ضربت النظام المالي العالمي.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، زاوية التوازن المطلوب، لأنه اعتبر المنافسة بين القطاع المصرفي والقطاع غير المصرفي طبيعية ومفيدة، لكنه شدد على أن منح الائتمان يجب أن يخضع لاستعلام دقيق وقدرة واضحة على السداد.

 

كما دعا أنيس إلى تعميم معايير الرقابة المصرفية على شركات التمويل غير المصرفي، محذرًا من أن التساهل في الجدارة الائتمانية قد يعيد إنتاج أزمات شبيهة بعام 2008، مع تأكيده أن الحل ليس خنق القطاع، بل ضبطه قبل أن يتحول التوسع إلى خطر.

 

وتزداد المخاوف لأن التمويلات الممنوحة في القطاع غير المصرفي تجاوزت 1.4 تريليون جنيه، بما يمثل نحو 54% من إجمالي التمويلات الموجهة للقطاع الخاص والعائلي والأفراد، وهذا الحجم يثبت أن أي اضطراب لن يبقى داخل شركة تقسيط صغيرة.

 

اقتصاد الدفعات الشهرية يعيد تشكيل المجتمع

 

يرتبط التوسع الأخير بصعود التكنولوجيا المالية، حيث تسمح التطبيقات بالموافقات السريعة والتقييم الرقمي ونماذج الشراء الآن والدفع لاحقًا، فتتحول لحظة الشراء إلى قرار سهل نفسيًا، بينما تتحول تبعاته إلى أقساط طويلة تلاحق الدخل قبل وصوله إلى البيت.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي أحمد ماهر، المتخصص في التسويق الرقمي، فهم السلوك الجديد، إذ وصف التمويل الاستهلاكي بأنه سلاح ذو حدين، ينشط الأسواق عند التباطؤ، لكنه يصبح خطرًا عندما يتجاوز قدرة السوق والمستهلكين على الاستيعاب ويساعد الناس على شراء ما يفوق إمكاناتهم.

 

كما لفت ماهر إلى أن ضعف الثقافة المالية يجعل البعض يبيع دخله المستقبلي من خلال أقساط متراكمة، وهو توصيف دقيق لطبقة وسطى لم تعد تقيس دخلها بما تكسبه فقط، بل بما يتبقى بعد خصم الأقساط والرسوم والغرامات والالتزامات الشهرية.

 

وفي المقابل، حاول وليد حسونة، رئيس إحدى شركات التمويل الاستهلاكي، تهدئة المخاوف، مؤكدًا أن الشركات تلتزم بضوابط ائتمانية صارمة، منها ألا تتجاوز الأقساط نصف دخل العميل الشهري، وأن القطاع يخضع لرقابة إضافية لأن شركات كثيرة مدرجة أو تابعة لكيانات مقيدة.

 

ومع ذلك، لم يرفض حسونة دراسة المخاوف، بل دعا إلى حوار جدي بشأن مستقبل أكبر قطاع مالي في مصر، خاصة أن أي اضطراب في شركات التمويل قد ينعكس على القطاع المصرفي، باعتباره أحد الممولين الكبار لتلك الشركات ومصدرًا رئيسيًا لسيولتها.

 

الشمول المالي أم إغراق الناس بالديون

 

تقول الحكومة والرقابة إن التمويل غير المصرفي يعزز الشمول المالي ويوسع وصول المواطنين إلى أدوات التمويل، لكن الواقع الاجتماعي يكشف أن الشمول يصبح خطرًا عندما يتحول إلى إغراق مالي، ويصبح المواطن عميلًا دائمًا للدين لا مستفيدًا عابرًا من خدمة مالية.

 

كما أن وجود 2532 شركة وجهة خاضعة للرقابة، وخدمة أكثر من 64 مليون عميل، لا يجب أن يتحول إلى عنوان دعائي فقط، لأن اتساع القاعدة يعني أيضًا اتساع المسؤولية، وكل ضعف في الرقابة أو الاستعلام الائتماني يتحول إلى أزمة معيشة داخل ملايين البيوت.

 

ثم إن نمو المحافظ إلى 417 مليار جنيه لا يجيب عن السؤال الأهم، وهو لماذا تحتاج الأسر إلى هذا الحجم من التمويل، وهل تستخدم القروض لتحسين جودة الحياة أم لسد عجز دخل شهري، خاصة مع تراجع الادخار واتساع فجوة الأسعار والرواتب.

 

وفي النهاية، لا تكشف طفرة التمويل الاستهلاكي عن سوق مزدهرة فقط، بل عن مجتمع يجري دفعه إلى اقتصاد الدفعات الشهرية، حيث تسبق الأقساط الراتب وتعيد ترتيب حياة الأسر، بينما تكتفي الحكومة بالاحتفاء بالأرقام بدل حماية نحو 2 مليون متعثر محتمل من التحول إلى غارمين جدد.