في وقتٍ تتصاعد فيه شكاوى المصريين من الارتفاع المستمر في أسعار السلع الغذائية الأساسية، يتجدد الجدل حول سياسات التصدير التي تتبناها الحكومة، وسط اتهامات متزايدة بأن توفير الدولار وسداد الالتزامات الخارجية باتا يتقدمان على حساب استقرار السوق المحلية وقدرة المواطنين على تحمل تكاليف المعيشة.

 

وخلال الأشهر الأخيرة، تحولت أسعار الغذاء إلى مصدر قلق يومي للأسر المصرية، بعدما شهدت الأسواق موجات متتالية من الزيادات شملت الخضروات واللحوم والزيوت والسكر والدواجن، بينما يرى مراقبون أن جزءًا من الأزمة يرتبط بتوسع الدولة في تصدير المنتجات الزراعية والغذائية لتوفير النقد الأجنبي، في ظل أزمة اقتصادية وضغوط متزايدة لسداد الديون الخارجية.

 

الطماطم تشعل الجدل من جديد


كانت أزمة الطماطم هي الأحدث في سلسلة الارتفاعات التي فجّرت حالة غضب واسعة بين المواطنين، بعدما قفز سعر الكيلو في بعض المناطق إلى ما بين 50 و65 جنيهًا، وهو ما وصفه مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الارتفاع الجنوني".

 

وأعاد هذا الارتفاع النقاش القديم حول تأثير التصدير على السوق المحلية، خاصة بعد تصريحات مسؤولين في قطاع التصدير أكدوا فيها أن زيادة الصادرات خلال الفترة الحالية ساهمت في تقليص المعروض داخل الأسواق المصرية.

 

وقال أحمد زكي، الأمين العام لشعبة المصدرين، إن جزءًا من الأزمة يعود إلى التزامات تصديرية مسبقة مع دول الخليج، خاصة السعودية، لتغطية احتياجات موسم الحج، مشيرًا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الإنتاج الزراعي زادا من حجم الأزمة، وأديا إلى تقليص الكميات المتاحة محليًا.

 

وأضاف أن مصر تحتل مراكز متقدمة عالميًا في تصدير الطماطم، سواء الطازجة أو المصنعة، مؤكدًا أن الصادرات الزراعية تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة التي تحتاجها الدولة.

 

لكن مواطنين يرون أن هذه السياسات تُفاقم الأعباء المعيشية، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية بصورة متلاحقة.

 

الدولار أولوية.. والمواطن يتحمل الكلفة


تعتمد الحكومة بصورة متزايدة على الصادرات الزراعية والغذائية باعتبارها أحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس.

 

ووفق بيانات رسمية، بلغت صادرات مصر الزراعية خلال عام 2025 نحو 9.5 مليون طن بقيمة 11.5 مليار دولار، بينما تسعى الحكومة إلى رفع هذه الأرقام بشكل مستمر في محاولة لتخفيف أزمة الدولار وتوفير السيولة اللازمة لسداد الديون والالتزامات الدولية.

 

ويرى اقتصاديون أن هذه السياسة تضع السوق المحلية تحت ضغط متواصل، خصوصًا مع محدودية الإنتاج مقارنة بالزيادة السكانية، ما يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار بصورة متكررة.

 

ويقول خبراء إن الحكومة تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة تحتاج الدولة إلى الدولار لتغطية الواردات وسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية، ومن جهة أخرى يواجه المواطن موجات غلاء متتالية تلتهم دخله بشكل متسارع.

 

سلع أساسية تقفز إلى مستويات قياسية


وتكشف الأسعار الحالية حجم الضغوط التي تواجهها الأسر يوميًا، حيث سجلت أسعار عدد من السلع الأساسية مستويات مرتفعة وفق بيانات بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية التابعة لمجلس الوزراء.

 

وبلغ سعر كيلو السكر المعبأ نحو 35.46 جنيه، بينما وصل سعر لتر زيت عباد الشمس إلى 94.13 جنيه، وسجل كيلو اللحوم الطازجة أكثر من 450 جنيهًا، فيما اقترب سعر كيلو الدواجن من 108 جنيهات.

 

كما شهدت الخضروات الأساسية ارتفاعات ملحوظة، إذ تراوح سعر كيلو الطماطم بين 20 و50 جنيهًا في سوق العبور، مع توقعات بزيادات أكبر في أسعار التجزئة بالمحافظات بسبب النقل وتكاليف التداول.

 

ولا تقتصر الأزمة على الطماطم فقط، بل امتدت إلى سلع أخرى مثل الأسماك والدواجن والسكر والبصل، وهي منتجات ارتبطت خلال فترات مختلفة بقرارات تصديرية أثارت مخاوف من نقص المعروض المحلي.

 

مخاوف من تكرار سيناريو الأرز والسكر


وخلال السنوات الماضية، اضطرت الحكومة أكثر من مرة إلى وقف تصدير بعض السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والبصل، بعد موجات ارتفاع حادة في الأسعار ونقص المعروض.

ويرى مراقبون أن تكرار الأزمة الحالية يعكس غياب استراتيجية مستقرة تحقق التوازن بين احتياجات السوق المحلية ومتطلبات التصدير.

 

كما أثار إعلان إدراج مصر ضمن الدول المصدرة لأسماك الاستزراع إلى الاتحاد الأوروبي مخاوف جديدة من ارتفاع أسعار الأسماك محليًا، مع توقعات بزيادة لا تقل عن 15% فور بدء التصدير التجاري الواسع.

 

الدعم الحكومي يتآكل تحت وطأة الغلاء


وفي خضم أزمة الأسعار، تتزايد مخاوف المواطنين من خطة الحكومة للتحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بداية من العام المالي 2026-2027.

 

ويعتمد نحو 63 مليون مواطن على منظومة التموين للحصول على الخبز والسلع الأساسية بأسعار مدعومة، لكن الارتفاعات المتتالية في الأسعار أثارت مخاوف من فقدان الدعم النقدي لقيمته سريعًا أمام التضخم.

 

وتقول أسر إن السلع المدعومة أصبحت تمثل "طوق النجاة الأخير" في ظل تراجع الدخول وارتفاع أسعار الغذاء بصورة غير مسبوقة.

 

وترى قطاعات واسعة أن منح المواطنين مبالغ نقدية بدلًا من السلع قد يفتح الباب لمزيد من ارتفاع الأسعار، خاصة مع غياب الرقابة الكافية على الأسواق، ووجود مخاوف من استغلال التجار للأوضاع الاقتصادية.

 

خبراء: الأزمة أعمق من التصدير وحده


ورغم الانتقادات الواسعة، يؤكد خبراء اقتصاديون أن وقف التصدير بشكل كامل ليس حلًا عمليًا، لأنه قد يضر بتدفقات الدولار ويؤثر على الاقتصاد بصورة أكبر.

 

لكنهم يشددون في الوقت نفسه على ضرورة وضع ضوابط واضحة تضمن توفير احتياجات السوق المحلية أولًا، قبل توجيه الفائض للتصدير.

 

ويؤكد مختصون أن الأزمة الحالية ترتبط أيضًا بضعف الإنتاج الزراعي، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وغياب الرقابة الفعالة على الأسواق، فضلًا عن تعدد حلقات التداول التي ترفع الأسعار بين المزرعة والمستهلك النهائي.

 

كما يطالب اقتصاديون بتوسيع الرقعة الزراعية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتفعيل البورصة السلعية، وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب، مع وضع سياسات توازن بين احتياجات الدولة من العملة الأجنبية وحق المواطنين في الحصول على الغذاء بأسعار مناسبة.

 

الشارع المصري بين الغضب والقلق


وفي الأسواق الشعبية ومنافذ التموين، تتكرر شكاوى المواطنين من الغلاء بصورة يومية، بينما تتزايد المخاوف من استمرار موجات ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية.

 

ويرى كثير من المصريين أن أزمة الغذاء لم تعد مجرد تقلبات موسمية، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لأزمة اقتصادية أوسع، يتحمل المواطن البسيط الجزء الأكبر من تكلفتها، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تأمين الدولار وسداد الديون والحفاظ على التزاماتها الخارجية.

 

وبينما تؤكد الحكومة أن التصدير ضرورة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها، يبقى السؤال الأبرز داخل الشارع المصري: إلى أي مدى يمكن للمواطن الاستمرار في تحمل فاتورة الغلاء المتصاعدة؟