تحولت صور مبانٍ خرسانية أُقيمت أسفل واجهة معبد كلابشة بمحافظة أسوان إلى شرارة غضب واسعة بين الأثريين والباحثين والمهتمين بالتراث، بعدما اعتبر متخصصون أن ما جرى يمثل “تشويهًا بصريًا” واعتداءً مباشرًا على واحد من أهم معابد النوبة التاريخية، المدرج ضمن نطاق مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

 

وخلال الأيام الماضية، انتشرت على نطاق واسع صور تظهر غرفتين خرسانيّتين حديثتي البناء أمام المعبد الأثري، ما دفع كثيرين في البداية للاعتقاد بأن الصور مفبركة أو مولدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تؤكد مصادر بوزارة السياحة والآثار أن المبنيين جزء من مشروع “تطوير” الموقع، وهو ما فجر موجة انتقادات حادة تحولت إلى ما وصفه متابعون بـ”انتفاضة الأثريين” دفاعًا عن الهوية البصرية للمعبد.

 

ويُعد معبد كلابشة من أبرز معابد النوبة القديمة وأكثرها تميزًا من الناحية المعمارية والتاريخية، إذ شُيّد خلال العصر الروماني في عهد الإمبراطور أغسطس بين عامي 30 قبل الميلاد و14 ميلادية، فوق أطلال معبد أقدم يعود لعهد الملك أمنحتب الثالث، وكان مخصصًا لعبادة الإله النوبي “مندوليس” إله الشمس لدى النوبيين القدماء.

 

ويمتد المعبد بطول نحو 76 مترًا وعرض 22 مترًا، ويحتوي على نقوش فريدة للإله حورس وعدد من الرموز الدينية المصرية القديمة، إلى جانب درج أثري يقود إلى سطح المعبد المطل على بحيرة ناصر والمشهد الطبيعي المفتوح المحيط به، وهو ما يجعل – بحسب خبراء الآثار – كل جزء من المشهد البصري المحيط بالمعبد جزءًا لا يتجزأ من القيمة الأثرية للموقع.

 

معبد نجا من الغرق فواجه “الخرسانة”

 

بعد إنشاء السد العالي في ستينيات القرن الماضي وتهديد مياه بحيرة ناصر للمواقع الأثرية بالنوبة، جرى تفكيك معبد كلابشة بالكامل ونقله إلى موقعه الحالي على جزيرة قريبة من السد، ضمن الحملة الدولية الكبرى لإنقاذ آثار النوبة، التي اعتُبرت واحدة من أهم عمليات إنقاذ التراث في القرن العشرين.

 

ويرى أثريون أن التاريخ الطويل لعمليات الإنقاذ والحفاظ على المعبد يجعل أي تدخل إنشائي غير مدروس بمثابة “جريمة ثقافية” بحق أحد الرموز التاريخية التي نجت من الغرق، فقط لتواجه اليوم خطر التشويه العمراني.

 

وبحسب ما أعلنته وزارة السياحة والآثار في نوفمبر الماضي، فإن خطة تطوير المعبد تضمنت إنشاء ممر حجري ومرسى للمراكب السياحية، إضافة إلى عدد من الغرف الخدمية الخاصة بالتذاكر والحراسة والتفتيش والمراقبة، مع أعمال حماية وصيانة للأبواب والشبابيك.

 

إلا أن الصور المتداولة أظهرت مباني خرسانية حديثة الطابع في مواجهة المعبد مباشرة، الأمر الذي اعتبره متخصصون تشويهًا صريحًا للمشهد التاريخي الفريد، خاصة أن تجربة زيارة المعبد تعتمد بالأساس على الرحلات النهرية المفتوحة عبر بحيرة ناصر، حيث يظهر المعبد في مشهد بانورامي واسع يُعد جزءًا من قيمته السياحية والأثرية.

 

الأثريون: المشكلة ليست في “الخدمة” بل في “الهوية”

 

وأكد عدد من خبراء الآثار والترميم أن الأزمة لا تتعلق بفكرة إنشاء خدمات للزائرين في حد ذاتها، وإنما بطريقة التنفيذ والشكل المعماري المستخدم، معتبرين أن الخرسانة المسلحة والكتل الأسمنتية “تقتل روح المكان” وتتناقض مع الطابع التاريخي للموقع.

 

وأوضح متخصصون أن الحفاظ على “السياق البصري” للمواقع الأثرية يُعد جزءًا أساسيًا من عملية صون التراث، وأن أي تدخلات حديثة يجب أن تُنفذ بمواد وتصميمات تراعي البيئة التاريخية المحيطة، لا أن تفرض عليها نموذجًا معماريًا غريبًا ومشوّهًا.

 

كما طالب عدد من الأثريين بتشكيل لجان علمية مستقلة لمراجعة أي مشروعات تطوير مستقبلية داخل المناطق الأثرية، وعدم الاكتفاء بقرارات إدارية أو هندسية بعيدة عن المتخصصين في الترميم والحفاظ المعماري.

 

تبريرات رسمية زادت الغضب

 

ومع تصاعد الانتقادات، حاولت مصادر بوزارة السياحة والآثار الدفاع عن المشروع، حيث نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر مجهلة أن المباني “لا تحجب رؤية المعبد”، وأن ارتفاعها أقل من مستوى واجهة الأثر، فيما قالت مصادر أخرى إن الصور التُقطت من زوايا جعلت المباني تبدو أكبر من حجمها الحقيقي.

 

كما جرى الحديث عن نية تغطية المباني بطبقات من الحجر الرملي حتى تتماشى مع البيئة الأثرية للمكان، إلا أن هذه التبريرات قوبلت بسخرية وغضب واسعين، إذ رأى منتقدون أن “تغليف الخرسانة بالحجر” لا يغيّر من حقيقة تشويه المشهد التاريخي لمعبد عمره أكثر من ألفي عام.

 

وفي ظل حالة الجدل، أعلن وزير السياحة والآثار شريف فتحي وقف أعمال إنشاء المباني الخرسانية بشكل “مؤقت”، مع تشكيل لجنة عليا من المجلس الأعلى للآثار لمعاينة الموقع وإعداد تقرير تفصيلي بشأن المنشآت المثيرة للجدل.

 

لكن قرار الوقف المؤقت لم يكن كافيًا لتهدئة المخاوف، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت تعليق مشروعات أثارت الجدل ثم استكمالها لاحقًا بعد تراجع الاهتمام الإعلامي والشعبي.

 

“قرار سيادي” يثير تساؤلات

 

وأثار تصريح مستشار وزير السياحة الأسبق وليد بطوطي حالة من الجدل، بعدما قال خلال مداخلة تلفزيونية إن إزالة هذه الإنشاءات “تحتاج إلى قرار سيادي”، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الجهة التي اتخذت قرار إقامة المباني داخل محيط أثري شديد الحساسية، ولماذا لم يُعرض الأمر على خبراء الترميم والمتخصصين قبل التنفيذ.

 

وأكد عدد من الأثريين أن هناك بدائل عديدة كان يمكن اللجوء إليها، مثل إنشاء المباني الخدمية بعيدًا عن واجهة المعبد أو على الضفة المقابلة، بما يضمن توفير الخدمات دون المساس بالمشهد الأثري.

 

مخاوف من تكرار سيناريوهات الهدم والتشويه

 

وأعاد الجدل حول معبد كلابشة إلى الواجهة سلسلة طويلة من وقائع الهدم أو التشويه التي طالت مباني ومواقع تراثية في مصر خلال السنوات الأخيرة، من بينها إزالة مبانٍ تاريخية بالقاهرة والإسكندرية، وأزمات هدم الجبانات التاريخية في منطقة الإمام الشافعي وقرافة المماليك، إلى جانب التعديات التي شهدتها بعض المواقع الأثرية الأخرى.

 

ويرى مراقبون أن أزمة كلابشة تعكس صراعًا متكررًا بين مشروعات التطوير السريعة وبين معايير الحفاظ على التراث، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من فقدان الهوية التاريخية والمعمارية لعدد من المواقع المصرية النادرة.

 

وفي واحدة من أبرز ردود الفعل، كتبت الباحثة والكاتبة شيرين هلال عبر حسابها على منصة إكس، أن ما يحدث أمام معبد كلابشة “ليس تطويرًا بأي شكل، بل تشويه صريح لأحد أهم المعابد الأثرية في مصر”، متسائلة: “هل رأيتم يومًا مباني خرسانية أمام معبد البارثينون في اليونان أو مسرح مارسيلوس في روما؟”.

 

وأضافت أن إقامة مبانٍ حديثة بهذا الشكل تمثل “طمسًا متعمدًا للهوية البصرية للمكان وضربة للطابع التاريخي الذي عاش آلاف السنين”، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن ما وصفته بـ”الاعتداء على حرم الأثر”.

https://x.com/sherinhelal555/status/2053011593101705432