واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، تصعيد عملياته العسكرية في جنوب لبنان رغم دخول تمديد جديد لاتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لمدة 45 يوما، وشنت غارات على بلدات في قضاء صور والنبطية والبقاع الغربي، بينما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة ضحايا الحرب إلى أكثر من 3020 قتيلا و9273 جريحا.

 

وتكشف التطورات الميدانية أن الهدنة تحولت إلى إطار سياسي هش لا يوقف القصف ولا يحمي المدنيين، إذ تتسع رقعة الغارات والإنذارات بالإخلاء في الجنوب اللبناني، بينما يرد حزب الله بسلسلة هجمات بطائرات مسيرة انقضاضية، في مشهد يعيد الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى دائرة الحرب المفتوحة رغم الضغوط الدبلوماسية.

 

غارات وإنذارات إخلاء في الجنوب والبقاع

 

وشن الطيران الإسرائيلي، منتصف ليل أمس، غارة استهدفت مبنى في منطقة المعشوق بقضاء صور، عقب إنذار للسكان بالإخلاء، بالتزامن مع غارات أخرى طالت بلدات حاروف وزوطر الشرقية وأطراف كفررمان، إضافة إلى قصف مدفعي استهدف بلدات ياطر وزبقين وعريض.

 

كما سجلت مناطق لبنانية عدة تحليقا مكثفا للطيران المسير الإسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت والضاحية الجنوبية، في رسالة ضغط واضحة على البيئة المدنية والسياسية، بينما توسعت الإنذارات الإسرائيلية لتشمل 12 بلدة في جنوب لبنان والبقاع الغربي، ما زاد حالة القلق والنزوح المؤقت بين السكان.

 

وتزامنت هذه التحركات مع تمديد وقف إطلاق النار للمرة الثانية لمدة 45 يوما، بعد دخوله حيز التنفيذ في 16 و17 أبريل الماضي، لكن استمرار الغارات جعل التمديد أقرب إلى إعلان دبلوماسي منه إلى وقف فعلي للعمليات العسكرية على الأرض.

 

وبحسب معطيات نشرتها وسائل إعلام عربية، وجه الجيش الإسرائيلي إنذارات لسكان قرى وبلدات إضافية في الجنوب والنبطية والبقاع، قبل تنفيذ ضربات جوية واسعة، بينما تحدثت تقارير عن استهداف منازل وسيارات ودراجات نارية ومواقع مدنية في أكثر من منطقة لبنانية.

 

وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن حصيلة الحرب ارتفعت إلى أكثر من 3020 قتيلا و9273 جريحا، بينما تشير تقارير حديثة إلى تجاوز العدد 3042 قتيلا مع نزوح أكثر من 1.25 مليون شخص، ما يعكس حجم الكلفة البشرية المتصاعدة في بلد يعاني أصلا من أزمة اقتصادية وخدمية خانقة.

 

مسيرات حزب الله تغير إيقاع المواجهة

 

في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة هجمات بطائرات مسيرة انقضاضية استهدفت تجمعات وآليات إسرائيلية داخل مناطق التوغل وعلى الحدود، بينها استهداف تموضع لجنود داخل خيمة في بلدة دبل، وآلية اتصالات في بلدة الطيبة، وموقع رأس الناقورة البحري.

 

كما أعلن الحزب استهداف تجمع عسكري إسرائيلي غرب عرب العرامشة، في إطار ما وصفه بالرد على خروقات إسرائيل لوقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت القرى الجنوبية، مؤكدا أن عملياته جاءت دفاعا عن لبنان وشعبه وردا على سقوط مدنيين في الغارات.

 

وتكشف هذه العمليات انتقال المواجهة إلى نمط أكثر تعقيدا، إذ لم تعد الغارات الإسرائيلية وحدها هي التي تحدد إيقاع المعركة، بل باتت المسيرات الانقضاضية تضغط على تحركات الجيش الإسرائيلي وتفرض عليه قيودا ميدانية داخل مناطق التوغل.

 

وأقرت هيئة البث الإسرائيلية بأن تهديد المسيرات المفخخة التابعة لحزب الله يقيد نحو 80% من حرية عمل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأن كثيرا من العمليات لا تنفذ خلال ساعات النهار خشية تعرض القوات والآليات لهجمات مفاجئة.

 

وبحسب الهيئة نفسها، يرى الجيش الإسرائيلي أن حزب الله انتقل في الأيام الأخيرة من نمط عمل منظم قائم على أوامر واضحة إلى أسلوب حرب العصابات عبر خلايا صغيرة تستغل الفرص الهجومية الخاطفة وتتنقل بين القرى، وهو تحول يزيد صعوبة السيطرة على الميدان.

 

هدنة معلقة بين السياسة والميدان

 

سياسيا، تتواصل الضغوط الأمريكية والدبلوماسية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق أوسع، لكن الوقائع الميدانية تظهر أن الاتفاق لا يملك حتى الآن أدوات تنفيذ كافية، إذ تستمر إسرائيل في الغارات والإنذارات، بينما يواصل حزب الله الرد بعمليات مسلحة.

 

وأعلنت الولايات المتحدة تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 45 يوما، في محاولة لفتح نافذة تفاوضية جديدة، غير أن التمديد جاء متزامنا مع ضربات إسرائيلية جديدة وتحذيرات إخلاء واسعة، ما أضعف ثقة اللبنانيين في قدرة المسار السياسي على وقف النزف.

 

وفي الداخل اللبناني، تزداد المخاوف من اتساع الأزمة الإنسانية، خصوصا في القرى الحدودية التي تعيش بين القصف والنزوح وانقطاع الخدمات، بينما يواجه السكان صعوبة في العودة إلى منازلهم أو تأمين الغذاء والدواء تحت تهديد الغارات والمسيرات والاستهدافات المتكررة.

 

كما تضع التطورات الحكومة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وحماية المدنيين، لكنها تتحرك ضمن هامش سياسي محدود وسط ضغوط خارجية ومخاوف داخلية من تمدد الحرب إلى مناطق أوسع في الجنوب والبقاع والضاحية.

 

وتبقى إسرائيل، وفق مسار الأحداث، الطرف الأكثر دفعا نحو إبقاء الهدنة بلا مضمون عملي، لأنها تواصل الغارات وتصدر أوامر الإخلاء وتبرر عملياتها بذريعة إزالة التهديد، بينما يدفع المدنيون في لبنان الثمن الأكبر من الأرواح والمنازل والاستقرار.

 

وفي النهاية، لا يبدو جنوب لبنان أمام وقف إطلاق نار بقدر ما يقف أمام حرب منخفضة السقف ومرتفعة الكلفة، فالغارات الإسرائيلية تواصل حصد الضحايا، ومسيرات حزب الله تقيد الجيش الإسرائيلي، والهدنة الممددة تبقى معلقة بين بيانات السياسة وصوت الانفجارات على الأرض.