كشفت استجوابات النائب محمد عبد العليم داوود بمجلس النواب في مصر عن عودة تلوث مياه النيل إلى صدارة الأزمة العامة، بعدما ربط النائب بين مصرف الرهاوي وأبو رواش والصرف غير المعالج، فوجدت الحكومة نفسها أمام اتهام مباشر يمس مصدر مياه المصريين لا مجرد ملف مرافق.

 

وتضع هذه الواقعة سكان القرى والدلتا أمام سؤال أكثر قسوة من أي سجال سياسي، لأن المواطن الذي يشرب من شبكة تعتمد على النهر لا يعنيه دفاع الحكومة عن صورتها الخارجية، بل يعنيه أن توقف الدولة مصادر الصرف الصحي والصناعي والزراعي قبل أن تتحول المياه إلى تهديد يومي للصحة والغذاء.

 

مصرف الرهاوي يضع تلوث مياه النيل في قلب الاتهام

 

في البداية، أعاد حديث داوود عن مصرف الرهاوي وأبو رواش تسمية المشكلة باسمها المباشر، لأن الأزمة لا تبدأ من ضعف شبكات الصرف وحده، بل من وصول المخلفات إلى مجرى نهر النيل وفروعه، حيث تتحول الفجوة في المرافق إلى خطر عام يطارد مياه الشرب والزراعة والثروة السمكية.

 

ثم جاءت مطالبة داوود بمحاسبة الحكومة جنائيا لا سياسيا لتكشف حجم الغضب من سنوات الوعود المفتوحة، لأن قرى دسوق وفوه ومطوبس في كفر الشيخ لا تقيس أداء الدولة بالخطب الرسمية، بل تقيسه بوجود شبكة صرف حقيقية تمنع البيارات والمصارف من تلويث المياه المحيطة بالمواطنين.

 

وفي هذا المحور، يضع الدكتور مجدي توفيق خليل، أستاذ البيئة بكلية العلوم جامعة عين شمس، الجانب العلمي أمام الحكومة، إذ ربط تلوث نهر النيل بالمخلفات الصناعية والزراعية والصرف الصحي، واعتبر أن بعض المخلفات الصناعية تحمل معادن ثقيلة لا تزيلها تنقية المياه التقليدية بالكلور.

 

لذلك يصبح الحديث الحكومي عن القواعد والمعايير الفنية ناقصا إذا لم تصاحبه خريطة معلنة لمصبات الصرف ونتائج العينات، لأن المواطن لا يرى القانون داخل كوب الماء، ولا يطمئن إلى التصريحات بينما يعرف أن مصرفا واحدا مثل الرهاوي قادر على تلويث فرع رشيد ومناطق واسعة بعده.

 

رقم 64% لا يغسل أثر الصرف غير المعالج

 

بعد ذلك، حاول عاصم الجزار نقل النقاش من تلوث مياه النيل إلى نسبة تغطية الصرف الصحي، فأعلن أن التغطية ارتفعت من 11% في 2014 إلى 64% في 2026، لكن هذا الرقم لا يجيب على السؤال الأصلي عن مصير الصرف المتبقي وعن القرى التي ما زالت خارج الشبكات.

 

كما أن طرح منحة بقيمة 400 ألف دولار لدراسات استدامة محطة معالجة أبو رواش يفضح استمرار الحاجة إلى تمويل ودراسات ومراجعات، لأن المشروعات المكتملة لا تعود إلى صدارة النقاش عبر منح جديدة، ولا تتحول إلى قضية عامة إذا كانت الحكومة قد أغلقت فعلا مسارات التلوث.

 

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور ضياء الدين القوصي، خبير الموارد المائية ومستشار وزير الري الأسبق، أن شيوع المسؤولية بين وزارات الري والصحة والإسكان والبيئة والداخلية والزراعة والنقل يصنع فراغا رقابيا واسعا، وهذا الفراغ يسمح لكل جهة بأن تدافع عن نفسها بينما يبقى النهر بلا حارس واحد واضح.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي لغة الإنجاز لتبرئة الحكومة من المسؤولية، لأن الأرقام الرسمية تفقد معناها عندما تصطدم بمصارف مفتوحة وقرى بلا صرف آمن ومحطات تحتاج إلى استدامة، فالقضية ليست كم بلغ طول الشبكات، بل كم ملوثا وصل إلى نهر النيل رغم وجود الحكومة والقانون.

 

دلتا النيل تدفع ثمن غياب الرقابة

 

على الأرض، لا يتوقف تلوث مياه النيل عند حدود مصرف أو محطة، لأن دلتا النيل تجمع أثر الصرف الزراعي والصحي والصناعي وتعيد تدويره داخل منظومة الري والغذاء، وبذلك تنتقل المشكلة من مياه الشرب إلى التربة والمحاصيل والأسماك، ثم تعود إلى موائد المواطنين في صورة أخطار صحية متراكمة.

 

وتؤكد بيانات الهدف الأممي السادس أن 57% من سكان مصر استخدموا صرفا صحيا مدارًا بأمان في 2024، وأن 63% من مياه الصرف المنزلي عولجت بأمان في العام نفسه، وهذه الأرقام تعني أن فجوة كبيرة ما زالت قائمة رغم خطاب التقدم الرسمي ورغم حساسية ملف المياه.

 

هنا يقدم العالم المصري عصام حجي دليلا إضافيا على خطورة المسار، إذ ربطت دراسة قادها بوجود عناصر ثقيلة في دلتا نهر النيل وبإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي دون معالجة كافية، وحذر من أثر هذه العناصر على البيئة وصحة السكان وأمن الغذاء.

 

لهذا لا تستطيع الحكومة أن تحصر الأزمة في رد غاضب على نائب أو في خشية على الصادرات الزراعية، لأن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح سمعة الدولة أهم من إعلان نتائج القياس، وعندما تتحول حماية النيل إلى ملف دفاع إعلامي بدل أن تكون التزاما صارما بالمحاسبة والشفافية.

 

وفي النهاية، يكشف ملف تلوث مياه النيل فشلا حكوميا في ترتيب الأولويات، لأن الدولة التي تطلب ثقة المواطنين مطالبة أولا بأن تعلن مصادر التلوث وأسماء المخالفين وجدول إغلاق المصبات غير الآمنة، فالنيل ليس منصة للدفاع السياسي، بل مصدر حياة لا يحتمل التهوين ولا المساومة.