أعلنت الحكومة المصرية، إطلاق مشروع جريان على محور الشيخ زايد بالشراكة بين جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة وشركات بالم هيلز وماونتن فيو ونيشنز أوف سكاي، بتكلفة وعوائد متوقعة تصل إلى 1.5 تريليون جنيه، ما فتح بابا واسعا للجدل حول انتقال الجهاز من الزراعة إلى العقارات.
وتكشف هذه الخطوة تحولا سياسيا واقتصاديا يتجاوز حدود مشروع سكني فاخر، لأن جهازا قُدم للرأي العام بوصفه ذراعا لاستصلاح الأراضي وتأمين الغذاء صار شريكا مباشرا في سوق الإسكان الاستثماري، بينما تواجه الدولة أزمة ديون وأولويات معيشية وسؤالا متصاعدا حول تمدد الأجهزة السيادية داخل الاقتصاد المدني.
من جهاز زراعي إلى لاعب عقاري
بدأت القصة من جهاز مستقبل مصر الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بمشروعات استصلاح الأراضي والدلتا الجديدة وسلاسل الغذاء والقمح، قبل أن يظهر في مشروع جريان بوصفه طرفا أساسيا في تحالف عقاري ضخم، وهو تحول يغير صورة الجهاز من إدارة زراعية إلى لاعب استثماري متعدد القطاعات.
كما يمتد مشروع جريان على مساحة تقترب من 1600 فدان، بما يعادل نحو 6.8 مليون متر مربع، ويضم بحسب البيانات المعلنة وحدات سكنية ومناطق تجارية وخدمية وفنادق ومرافق تعليمية وصحية، ما يجعله مدينة استثمارية مغلقة أكثر من كونه امتدادا مباشرا لمشروع زراعي يخدم الأمن الغذائي.
وبحسب الطرح الحكومي، يقدم المشروع نفسه كجزء من الدلتا الجديدة، ويربط بين العمران والزراعة والسياحة عبر ممر مائي وفرع جديد من النيل، لكن هذا الربط لا يلغي السؤال المركزي، وهو لماذا يتقدم جهاز زراعي سيادي إلى سوق العقارات الفاخرة بدلا من ترك هذا المجال للقطاع الخاص الخالص.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الباحث يزيد صايغ النقطة الأساسية، إذ يرى أن جهاز مستقبل مصر حقق تكاملا واسعا في الغذاء وسلاسل الإمداد، لكن غياب الشفافية يمنع تقييم جدواه التجارية واستدامته البيئية ومنفعته الاجتماعية، وهو نقد يزداد ثقلا مع انتقال الجهاز إلى مشروع عقاري بهذا الحجم.
نيل صناعي وسكن فاخر في قلب أزمة مياه
ثم تأتي قضية المياه لتضع مشروع جريان في دائرة أكثر حساسية، لأن المشروع يقوم على فكرة واجهة مائية وفرع جديد من النيل داخل منطقة صحراوية، بينما تعاني مصر ضغطا مائيا متراكما وتحتاج إلى توجيه كل متر مكعب نحو الزراعة والغذاء والمناطق التي تعيش عجزا فعليا في الخدمات.
وتشير المعطيات المنشورة إلى تخصيص ممر مائي بطول 41.3 كيلومتر وعرض يصل إلى 120 مترا لنقل 10 ملايين متر مكعب يوميا من مياه النيل الواردة من فرع رشيد، وهو رقم ضخم يفرض نقاشا عاما حول تكلفة الرفع والتشغيل وأولوية الاستخدام في ظل شح الموارد.
لذلك لا يبدو الاعتراض على جريان اعتراضا على التوسع العمراني وحده، بل اعتراضا على طريقة توظيف المياه والأرض والموارد العامة، لأن المشروع يسوق للسكن الفاخر والإطلالة المائية بينما تواجه قرى ومدن كثيرة مشكلات في الري والصرف والمياه والخدمات الأساسية التي تمس حياة ملايين المصريين يوميا.
وفي هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام جوهر الجدل في صيغة مباشرة، إذ يعتبر أن بناء مدينة فارهة في عمق الصحراء يجعل النيل في خدمة الأثرياء وساكني القصور، وهو توصيف يضرب نقطة الضعف في مشروع يخلط الزراعة بالتسويق العقاري الفاخر.
توسع سيادي يضغط على السوق والقطاع الخاص
بعد ذلك يظهر البعد الأخطر في القصة، وهو اتساع دور الأجهزة السيادية في سوق يفترض أن يقوم على المنافسة الواضحة بين الشركات، لأن دخول جهاز يمتلك أراضي وقدرة تنظيمية وعلاقات مباشرة مع الدولة يغير قواعد المنافسة ويضع المطورين والمستثمرين أمام لاعب لا يشبه باقي اللاعبين.
كما يطرح مشروع جريان سؤالا عن علاقة الدولة بتعهداتها الخاصة بتمكين القطاع الخاص وخفض حضور الجهات الحكومية والسيادية في النشاط الاقتصادي، لأن الدولة تعلن بيع أصول وتوسيع دور المستثمرين، ثم تظهر في الوقت نفسه عبر أجهزتها في مشروع عقاري فاخر يتجاوز حجمه مشروعات كثيرة في السوق.
وعلى هذا الأساس، لا تكفي صيغة الشراكة مع شركات كبرى لتخفيف القلق، لأن المشكلة ليست في وجود بالم هيلز أو ماونتن فيو أو نيشنز أوف سكاي، بل في طبيعة الطرف السيادي الذي يدخل الشراكة ويحوز الأرض والامتياز التنظيمي ويتحرك داخل سوق سكني شديد الحساسية.
وتخدم تصريحات رجل الأعمال عمر مهنا هذا المحور بوضوح، إذ عبّر عن مخاوفه من تنامي دور الأجهزة السيادية في الاقتصاد، خاصة مع تحميل الحكومة القطاع الخاص مسؤولية الاستثمار والوظائف، بينما تحصل الجهات السيادية والحكومية على مزايا تجعل المنافسة غير متكافئة أمام الشركات المدنية.
ومن هنا يصبح مشروع جريان أكثر من مدينة جديدة على محور الشيخ زايد، لأنه يختبر صدقية خطاب الحكومة عن تمكين القطاع الخاص، ويكشف في الوقت نفسه انتقال مستقبل مصر من ملف الغذاء والزراعة إلى إدارة الأصول العقارية والسياحية والسكنية تحت مظلة جهاز يتمتع بنفوذ واسع.
وتبقى الخلاصة أن جريان لا يثير الجدل بسبب مساحته أو قيمته الاستثمارية فقط، بل لأنه يلخص انتقالا أوسع في الاقتصاد المصري، حيث تدخل الأجهزة السيادية قطاعات مدنية عالية الربح، وتستخدم شعارات التنمية والزراعة لتبرير مشروع سكني فاخر، بينما تبقى الشفافية والمنافسة والأولويات الاجتماعية أسئلة بلا إجابة كافية.

