أعلنت لجنة السياسة النقدية في مصر الخميس، تثبيت أسعار العائد الأساسية دون تغيير، فأبقت عائد الإيداع عند 19.00% وعائد الإقراض عند 20.00% وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%، وثبتت سعر الائتمان والخصم عند 19.50%، لتبقى تكلفة الاقتراض مرتفعة فوق قدرة السوق والمواطن.

 

وتصطدم رواية الاستقرار التي تقدمها السلطة النقدية بواقع يومي أكثر قسوة، لأن المصريين لا يقيسون التضخم من البيانات الرسمية بل من أسعار الطعام والنقل والدواء والإيجار. وتتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة، لأنها تطلب من المواطنين انتظار تحسن مؤجل بينما تواصل تحميلهم كلفة الديون والوقود وسعر الصرف.

 

أرقام الفائدة لا تطمئن سوقا يخنقه الغلاء

 

جاء قرار التثبيت بعد أشهر من ضغوط سعرية متراكمة، ولم يقدم للمواطن أو المنتج مخرجًا عمليًا من كلفة التمويل المرتفعة. فالإبقاء على الإقراض عند 20.00% يعني أن المصنع والتاجر وصاحب المشروع الصغير سيدفعون تكلفة أعلى، ثم تنتقل هذه التكلفة إلى المستهلك في صورة أسعار جديدة.

 

وبحسب الأرقام المعلنة، تراجع التضخم السنوي العام إلى 14.9% في أبريل 2026 مقابل 15.2% في مارس، كما تراجع التضخم الأساسي إلى 13.8% من 14.0%. لكن هذا التراجع المحدود لا يكذب إحساس الأسر بالغلاء، لأنه يبقي الأسعار عند مستوى مرتفع أصلًا ولا يعيدها إلى ما كانت عليه.

 

غير أن الحكومة تستخدم الانخفاض الطفيف كدليل على نجاح سياستها، بينما تكشف تفاصيل السوق أن الأسعار لا تهبط بالسرعة نفسها التي تصعد بها. ويظل المواطن محاصرًا بين أجر ثابت وخدمات أغلى، في حين تتحدث البيانات عن تباطؤ لا يراه الناس داخل محلات البقالة والمواصلات والعيادات.

 

هنا قال الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، إن التراجع الأخير في التضخم جاء بطعم الثبات، وإن بعض المجموعات السلعية سجلت زيادات كبيرة. وتخدم شهادته هذا المحور لأنها تنزع الطمأنينة المصطنعة من الرقم العام، وتعيد النقاش إلى السلع التي يشتريها المواطن فعليًا.

 

لذلك تبدو حجة تثبيت الفائدة باعتبارها حماية من التضخم ناقصة، لأن السياسة النقدية لا تستطيع وحدها علاج غلاء صنعته قرارات حكومية متكررة في الوقود والخدمات وسعر الصرف. ويصبح المواطن هو الطرف الأضعف، لأنه يدفع ثمن الفائدة المرتفعة وثمن الأسعار المرتفعة في الوقت نفسه.

 

الطاقة والصراع شماعة لا تعفي الحكومة من المسؤولية

 

على المستوى العالمي، يتحدث الخطاب الرسمي عن نمو اقتصادي ضعيف وتوترات جيوسياسية وغموض في السياسات التجارية وضعف الطلب العالمي. وهذه عوامل حقيقية، لكنها لا تبرئ الحكومة المصرية من مسؤولية ترك السوق المحلي هشًا أمام كل موجة خارجية، من دون مخزون حماية اجتماعية أو رقابة سعرية فعالة.

 

وفي أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار خام برنت والغاز الطبيعي بشكل حاد مع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي أثرت على الإمدادات العالمية. كما واجهت السلع الزراعية ضغوطًا تصاعدية بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة بعد زيادة الغاز، إلى جانب ارتفاع علاوات المخاطر على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.

 

ومع انتقال هذه الضغوط إلى الداخل، تتحول كل صدمة خارجية إلى فاتورة محلية يدفعها المستهلك. فقد رفعت الحكومة أسعار الطاقة أكثر من مرة، وتركت كلفة النقل والإنتاج تتحرك في الأسواق بلا كبح كاف، ثم عادت لتصف التضخم باعتباره نتيجة صراع خارجي لا نتيجة اختيارات داخلية أيضًا.

 

ويقول محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن عوامل محلية تضغط على التضخم، بينها زيادات خدمات الاتصالات والإنترنت وبعض الخدمات الأخرى. وتخدم هذه الشهادة محور المسؤولية الحكومية، لأنها تكشف أن الأزمة ليست مستوردة بالكامل كما يوحي الخطاب الرسمي.

 

نتيجة لذلك، لا تكفي الإشارة إلى التوترات العالمية لتفسير استمرار الضغوط على جيوب المصريين. فالحكومة هي التي تحدد أسعار خدمات عامة وتسمح بتمرير زيادات متلاحقة في قطاعات أساسية، وهي التي تدير سياسة مالية تضغط على المواطنين بدل أن تحميهم عند اشتداد موجات الغلاء.

 

تباطؤ النمو يفضح كلفة الانتظار

 

محليًا، سجل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5.0% في الربع الأول من 2026، مقابل 5.3% في الربع الرابع من 2025. ويعني هذا التباطؤ أن الاقتصاد لا يتقدم بالقوة التي يحتاجها الناس لخلق وظائف أفضل ودخول أعلى، بينما تواصل الحكومة تقديم النمو كعنوان نجاح.

 

ورغم إعلان تراجع البطالة إلى 6.0% في الربع الأول من 2026 مقابل 6.2% في الربع السابق، لا يكفي الرقم وحده لإثبات تحسن حياة العاملين. فالوظيفة التي لا تغطي الطعام والمواصلات والإيجار لا تمنح صاحبها أمانًا، بل تثبت أن سوق العمل ينتج دخلا لا يلاحق الأسعار.

 

أما توقعات السنة المالية 2025/2026 فتشير إلى نمو حقيقي عند نحو 5.0%، مع استمرار الناتج دون طاقته القصوى حتى النصف الأول من 2027. وهذا يعني أن السلطة تعترف بأن الاقتصاد لم يصل إلى قدرته الكاملة، لكنها تطلب من المواطنين احتمال سياسة فائدة قاسية وانتظار تحسن لاحق.

 

وتوضح سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر الأسبق، أن حالة الضبابية الجيوسياسية تدفع إلى تثبيت الفائدة والترقب لحين اتضاح مسار الأسواق والتضخم. وتخدم شهادتها هذا المحور لأنها تكشف أن القرار ليس علامة قوة، بل علامة انتظار طويلة يدفع كلفتها الإنتاج والاستهلاك والأسرة المصرية.

 

ثم يضيف بيان السياسة النقدية أن الضغوط التضخمية من جانب الطلب ستظل محدودة على المدى القصير بسبب فجوة الناتج والسياسة النقدية المعتمدة. لكن هذه العبارة تترجم في الواقع إلى اقتصاد يعمل دون طاقته، وسوق يبيع أقل، ومواطن يضغط إنفاقه لأنه لا يملك رفاهية الطلب.

 

وفي التوقعات المقبلة، يرجح المسار الرسمي تسارع التضخم السنوي حتى الربع الثالث من 2026 بسبب آثار فترة الأساس وضغوط العرض الناتجة عن الصراع وتحركات سعر الصرف وإجراءات ضبط المالية العامة. وهذه العبارة تعني ببساطة أن الغلاء مرشح للاستمرار، وأن المواطن سيواجه جولة جديدة من الضغط.

 

كما يرجح المسار نفسه تجاوز التضخم مستهدف 7% بزيادة أو نقص 2 نقطة مئوية خلال الربع الأخير من 2026، قبل أن يبدأ التباطؤ في الربع الأول من 2027 ويتقارب من المستهدف في النصف الثاني من 2027. وهنا تعترف السلطة بأن الراحة مؤجلة لعام آخر على الأقل.

 

وبذلك لا يحمل قرار تثبيت الفائدة بشارة استقرار، بل يكشف مأزق سياسة اقتصادية تحاصر المواطنين بين تضخم مرتفع ونمو أبطأ وتمويل أغلى. وتستطيع الحكومة أن تتحدث عن الصراع والطاقة والأسواق العالمية، لكن الواقع اليومي يقول إن المصريين يدفعون ثمن اختيارات داخلية لا تحمي الأجور ولا تكبح الأسعار.

 

وفي النهاية، يفضح تثبيت الفائدة فجوة واسعة بين اللغة الرسمية وحياة الناس، لأن البيان يتحدث عن مستهدفات ونطاقات زمنية بينما تتعامل الأسر مع أسعار اليوم لا مع وعود 2027. ولا يحتاج المصريون إلى رواية تطمئن الأسواق، بل إلى سياسة توقف نقل الأزمة من دفاتر الحكومة إلى موائدهم.