كشفت الحكومة خلال الشهر الجاري عن تسارع اكتشافات الغاز الطبيعي، وبينها بستان جنوب 1 إكس في الصحراء الغربية ودينيس غرب 1 في البحر المتوسط، بينما قفزت فاتورة استيراد الغاز من 560 مليون دولار شهريًا إلى 1.65 مليار دولار، فظهرت فجوة واضحة بين بيانات الاكتشاف وعبء الاستيراد.
وتضع هذه الفجوة المواطن أمام نتيجة مباشرة لا تحتاج إلى تجميل حكومي، لأن الدولة تعلن احتياطيات جديدة بينما ترفع كلفة الطاقة وتبقي أسعار الكهرباء والوقود والسلع تحت ضغط مستمر، في وقت تدفع فيه اضطرابات الحرب الإيرانية وتراجع الإمدادات الإقليمية القاهرة إلى شراء غاز أغلى من الخارج.
اكتشافات جديدة بلا عائد سريع على السوق
في البداية، أعلنت وزارة البترول وشركات عالمية عن اكتشافات جديدة تعزز الاحتياطي، لكن الإعلان لا يعني دخول الغاز إلى الشبكة فورًا، لأن الحفر والتقييم وربط الآبار بالبنية التحتية يحتاج إلى قرارات استثمار وتنفيذ، بينما يحتاج السوق المحلي إلى كميات يومية لا تنتظر الاحتفال بالأرقام.
ثم جاء كشف بستان جنوب 1 إكس في الصحراء الغربية ليضيف تقديرات أولية تقارب 330 مليار قدم مكعبة من الغاز و10 ملايين برميل من المتكثفات والزيت الخام، لكن موقع الكشف وقربه من مرافق قائمة لا يلغي حاجة الحكومة إلى خطة معلنة تربط الاحتياطي بالإنتاج.
بعد ذلك، أعاد كشف دينيس غرب 1 في البحر المتوسط نبرة التفاؤل الرسمية، بعدما قدرت إيني الاحتياطي بنحو 2 تريليون قدم مكعبة من الغاز و130 مليون برميل من المكثفات، غير أن هذا الرقم الكبير لا يجيب وحده عن سؤال المواطن حول موعد انخفاض الفاتورة.
وبالتوازي، سجل قطاع البترول نحو 16 اكتشافًا جديدًا منذ بداية 2026 حتى فبراير، منها 11 اكتشافًا في يناير، وأضافت تلك الاكتشافات إنتاجًا يوميًا محدودًا، لكن الإضافات المعلنة بقيت أصغر بكثير من حجم الاستهلاك المحلي الذي يضغط على محطات الكهرباء والصناعة.
وفي هذا المحور، يضع أستاذ هندسة البترول والطاقة الدكتور جمال القليوبي وظيفة دقيقة لهذه الاكتشافات، إذ يؤكد أنها قد تدعم هدف الاكتفاء الذاتي بحلول 2028، لكنه يربط الأثر الفعلي بزمن دخول الآبار إلى الإنتاج، خصوصًا في المياه العميقة التي تحتاج عامًا أو أكثر.
لذلك، تبدو الحكومة وهي تخلط بين الاحتياطي والإنتاج في خطابها العام، فالاحتياطي رقم جيولوجي واعد، أما الإنتاج فهو غاز يومي يدخل الشبكة ويخفض الاستيراد، وهذا الفرق هو ما يغيب عن الخطاب الرسمي عندما يتحول كل كشف إلى وعد سريع لا يراه المواطن.
فاتورة الاستيراد تفضح فجوة الإنتاج والاستهلاك
في المقابل، أقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن فاتورة استيراد الغاز الطبيعي قفزت من نحو 560 مليون دولار شهريًا إلى حوالي 1.65 مليار دولار، وهو اعتراف حكومي ينسف فكرة أن الاكتشافات الأخيرة تكفي وحدها لاحتواء الأزمة أو حماية الموازنة من الاستنزاف.
وعلى هذا الأساس، لا تظهر المشكلة في نقص الاكتشافات فقط، بل في انهيار التوازن بين الطلب والإنتاج، لأن الحكومة تحتاج إلى تشغيل الكهرباء والمصانع في وقت يتراجع فيه الإنتاج المحلي وتضطر فيه الدولة إلى تعويض النقص عبر شحنات غاز مسال وإمدادات إقليمية مكلفة.
كما تشير تقديرات منشورة إلى أن فاتورة استيراد الغاز خلال العام المالي المقبل قد ترتفع بنحو 2.2 مليار دولار إضافية، مع رصد نحو 10.7 مليار دولار لواردات الغاز الطبيعي والمسال في 2026 و2027، وهذا الرقم يعكس أزمة إدارة لا مجرد ظرف خارجي.
ومن جهة أخرى، يقدر الطلب المحلي بنحو 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، بينما تشير تقديرات خبراء إلى فجوة كبيرة بين الاستهلاك والإنتاج، ولذلك لا يكفي أن تضيف بعض الاكتشافات عشرات الملايين من الأقدام المكعبة يوميًا إذا كانت الفجوة اليومية تقاس بالمليارات.
وفي هذا السياق، يقدم نائب رئيس هيئة البترول الأسبق مدحت يوسف قراءة أكثر حدة، إذ يرى أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي يحتاج رفع الإنتاج اليومي إلى نحو 7.3 مليار قدم مكعبة، بما يعني أن الاكتشافات المعلنة حتى الآن لا تكفي لسد الفجوة.
لذلك، تكشف فاتورة الاستيراد أن الحكومة تدفع ثمن سنوات من تأخر الاستثمار وسداد مستحقات الشركاء وإدارة الطلب، ثم تطلب من المواطن تحمل النتيجة عبر أسعار أعلى وترشيد قسري، بدل أن تصارحه بأن الاكتشافات الجديدة لا تعالج عجز اليوم ولا فاتورة هذا الصيف.
المواطن لا يشعر بالأثر والحكومة تنقل التكلفة للسوق
لاحقًا، جاء السؤال الأهم داخل الشارع المصري حول سبب عدم انعكاس اكتشافات الغاز على الأسعار، لأن المواطن لا يتعامل مع الاحتياطي في بيانات الوزارة، بل يتعامل مع فاتورة كهرباء ووقود ومواصلات وغذاء، وكلها تتأثر بتكلفة الطاقة وسعر الصرف والقرارات المالية.
وبسبب ذلك، لا تظهر أي مؤشرات جدية على انخفاض أسعار الكهرباء أو الوقود أو السلع المرتبطة بالطاقة، بل أعلنت الحكومة زيادة أسعار الغاز لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك في مايو 2026، بما يجعل كلفة الإنتاج مرشحة للانتقال إلى المستهلك عبر سلاسل الأسعار.
إضافة إلى ذلك، توجه الدولة جزءًا كبيرًا من الغاز المتاح إلى محطات الكهرباء والصناعة لتجنب الانقطاعات وتعطل الإنتاج، وهذا التوجيه يحمي الشبكة مؤقتًا لكنه لا يمنح المواطن تخفيضًا في الفاتورة، لأن الحكومة تستخدم الغاز لإدارة الأزمة لا لإنهاء أسبابها المالية والإنتاجية.
ومن زاوية اقتصادية، ترى أستاذة الاقتصاد والطاقة وفاء علي أن فقدان 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا من الإمدادات الخارجية يمثل صدمة مباشرة للسوق، كما تؤكد أن الاعتماد على شحنات غاز مسال مرتفعة التكلفة يكشف تحولًا اضطراريًا في هيكل الإمدادات.
وهنا تتسع الأزمة من ملف طاقة إلى ملف معيشة، لأن كل دولار إضافي تدفعه الدولة في الاستيراد يضغط على الموازنة وسعر الصرف والدعم، ثم يظهر أثره في أسعار السلع، بينما تظل البيانات الرسمية منشغلة بتسويق الاكتشافات بدل شرح مسار الخروج من الاستيراد المكلف.
وفي النهاية، لا تستطيع الحكومة إقناع المواطنين بأن الاكتشافات إنجاز مكتمل وهي تستورد الغاز بأرقام قياسية وترفع كلفة الطاقة على الصناعة وتدرس إجراءات ترشيد متكررة، فالمعيار الحقيقي ليس عدد البيانات الصادرة عن وزارة البترول، بل انخفاض الفاتورة وظهور أثر مباشر في حياة الناس.
وبذلك، تضع اكتشافات الغاز الأخيرة الحكومة أمام اختبار واضح، فإما أن تتحول الأرقام إلى إنتاج سريع وعقود شفافة وتخفيف ملموس للأعباء، وإما أن تبقى الاكتشافات مادة دعائية فوق أزمة يومية، يدفع ثمنها المواطن من دخله بينما تواصل الدولة شراء الطاقة بالدولار.

