كشفت تصريحات متحدث مترو الأنفاق والمونوريل في مصر، أحمد عبد الهادي بكير، عن اتجاه الحكومة لتمديد سياسة الخصم على تذاكر المونوريل بنسبة 50% لمدة 3 أشهر، مع مناشدة الجامعات والمدارس والجمعيات تنظيم رحلات إليه؛ في خطوة تبدو أقرب إلى إنقاذ مشروع مرتفع السعر من ضعف الإقبال، لا إلى تشجيع عابر على وسيلة جديدة.
وتضع هذه الخطوة الحكومة في مأزق واضح؛ لأن المشروع الذي جرى تقديمه بوصفه نقلة حديثة في النقل الجماعي بدأ التشغيل بتذاكر تصل إلى 80 جنيهًا للرحلة، بينما يعيش ملايين الموظفين والطلاب تحت ضغط أجور لا تسمح بتحويل المواصلات اليومية إلى بند فاخر، فتتحول الدعاية الرسمية إلى محاولة تعويض عن غياب الطلب الحقيقي.
خصم التذاكر يفضح أزمة التسعير
بدأت وزارة النقل تشغيل المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل بين محطة المشير طنطاوي ومدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، وحددت الأسعار على 4 شرائح تبدأ من 20 جنيهًا حتى 80 جنيهًا، وهي أرقام وضعت المشروع فورًا في مقارنة قاسية مع قدرة الموظف والطالب على دفع تكلفة يومية منتظمة.
ثم أعلنت الحكومة خصمًا بنسبة 50% يومي الجمعة والسبت والعطلات الرسمية لمدة 3 أشهر، وقدمت القرار باعتباره تشجيعًا للمواطنين على تجربة المونوريل، لكن توقيت القرار بعد أيام من التشغيل كشف أن السعر الكامل لم ينجح في خلق إقبال طبيعي خارج فضول الافتتاح والتشغيل المجاني.
وتضاعف تصريحات بكير هذا الانطباع؛ لأنه لم يكتفِ بالحديث عن الخصم، بل ناشد الجامعات والمؤسسات الخيرية والمدارس تنظيم رحلات للطلاب والأيتام والأسر، وكأن المشروع يحتاج إلى جمهور منظم بالحشد المؤسسي، لا إلى ركاب يوميين يجدون فيه اختيارًا اقتصاديًا واضحًا.
ويشرح خبير اقتصاديات النقل ودراسات الجدوى، الدكتور أحمد الشامي، في كتاباته العامة عن الاستثمار والنقل، أن معيار العائد وفترة استرداد الاستثمار لا ينفصلان عن قدرة المستخدمين على تحمل التكلفة، وهو معيار يجعل الخصم الحالي اعترافًا ضمنيًا بأن السعر الكامل لم يكن مناسبًا للسوق المستهدفة.
مشروع حديث بلا ركاب كافيين
رغم وصف بكير للمونوريل بأنه أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا وموديل 2026، لا تكفي حداثة القطار وحدها لصناعة وسيلة نقل ناجحة؛ لأن النقل الجماعي يقاس بعدد الركاب المتكررين، وسهولة الوصول إلى المحطات، وتكلفة الرحلة اليومية، لا بعدد الشاشات أو شكل العربات.
وبينما تتحدث الحكومة عن سرعة الرحلة من المشير إلى العاصمة في نحو 50 دقيقة، يبقى السؤال عن عدد المواطنين القادرين على دفع 40 أو 55 أو 80 جنيهًا في اتجاه واحد، ثم تكرار ذلك يوميًا، خصوصًا أن الاشتراكات المخفضة نفسها ترتبط برحلات ثابتة ومناطق سعرية مرتفعة.
ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، الدكتور أسامة عقيل، أن وزارة النقل لم تِتح دراسات الجدوى الخاصة بالمونوريل للخبراء، وأن المفاضلة بين وسائل النقل يجب أن تقوم على تكلفة نقل المواطن لمسافة كيلومتر واحد، لا على الشكل الدعائي للمشروع أو حداثة التكنولوجيا المستخدمة فيه.
كما يضع عقيل المشروع داخل سؤال أكثر إحراجًا، حين يشير إلى أن أجزاءً من مساره تمر في مناطق صحراوية أو غير مأهولة بالقدر الكافي حاليًا، وهو ما يجعل الدولة تنفق على وسيلة مرتفعة التكلفة قبل اكتمال الطلب السكاني الحقيقي حولها.
جدوى غائبة وفاتورة محملة على المواطنين
تبدو أزمة المونوريل جزءًا من نمط أوسع في مشروعات كبرى تبدأ من قرار سياسي ضخم، ثم تبحث لاحقًا عن ركاب أو مستخدمين يبررون التكلفة، ولذلك تحاول الحكومة اليوم تحويل التخفيضات والرحلات المدرسية والجامعية إلى دليل إقبال، بديلًا عن أرقام تشغيل يومية منشورة وشفافة.
ويؤكد الأكاديمي الدنماركي "بنت فلايبرغ" (Bent Flyvbjerg)، أحد أبرز الباحثين في مخاطر المشروعات الكبرى، أن مشروعات السكك الحضرية تعاني عالميًا من مبالغات في توقعات الطلب وتجاوزات في التكلفة، وهو ما يجعل غياب بيانات الركاب ودراسات الجدوى في حالة المونوريل المصري مؤشرًا لا يمكن تجاوزه.
لذلك لا تبدو مشكلة المونوريل في أنه وسيلة حديثة، بل في أنه صُمم فوق خريطة أولويات مضطربة؛ حيث يحصل مشروع يخدم مسارات محددة نحو العاصمة الإدارية على إنفاق وتسويق وتخفيضات، بينما يواجه المواطنون في القاهرة الكبرى أزمة يومية في الأتوبيسات والمترو والميكروباص.
وفي الخلاصة، يكشف خصم الـ 50% أن الحكومة اصطدمت بسقف القدرة الشرائية بعد تشغيل المونوريل، وأن المشروع الذي كان يُفترض أن يجذب الركاب بقيمته العملية أصبح يحتاج إلى حملات دعائية، ورحلات منظمة، وقرارات تخفيض مؤقتة؛ مما يضعه بين مشروعات "الواجهة" التي تبحث عن جمهور بعد اكتمال الفاتورة.

