كشفت قرارات وزارة الشباب والرياضة أرقام 759 و760 لسنة 2026 عن أزمة جديدة داخل ملف بعثة منتخب مصر لكرة القدم المشاركة في كأس العالم 2026 بعد طلب إحاطة وجهه النائب فريدي البياضي إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الشباب والرياضة بسبب شبهات إهدار المال العام وتضخم مصروفات البعثة.

 

وتأتي الواقعة في لحظة تضغط فيها الحكومة على المواطنين بخطاب ترشيد الإنفاق بينما تفتح هي نفسها باب سفر واسع ومخصصات بالدولار داخل بعثة رياضية يفترض أن يحددها احتياج الفريق فقط لذلك تحول الفرح بتأهل المنتخب إلى سؤال سياسي مباشر عن المال العام ومن يملك قرار إنفاقه.

 

تضخم البعثة يحاصر وزارة الرياضة بسؤال الاختيار لا التشجيع

 

في البداية طرح البياضي جوهر الأزمة من زاوية لا تتعلق بتشجيع المنتخب ولا بمعارضة مشاركته في كأس العالم لكنه وضع الحكومة أمام سؤال واضح عن أسماء المسافرين وأسباب اختيارهم والأساس الإداري لكل مهمة داخل بعثة يفترض أن تضم لاعبين وجهازا فنيا وطبيا وإداريا مرتبطا بالمنافسة.

 

ثم كشفت القرارات عن مسميات تتجاوز التكوين الطبيعي لأي بعثة كرة قدم حيث ظهرت مهام للتنسيق الأمني والتذاكر وأمن الملاعب والمراسم والشؤون المالية والضريبية والانتقالات والاتصالات وهو توسع يجعل وزارة الرياضة مطالبة بتفسير الحاجة الفعلية لكل موقع قبل تحميل الخزانة العامة مخصصات إضافية بالدولار.

 

وبحسب ما أثاره البياضي فإن بطولة كأس العالم تدار بمنظومة دولية مركزية في الاعتمادات والتذاكر والدخول والتنقلات لذلك تصبح أي وظيفة إضافية داخل البعثة محل مساءلة عندما لا تعلن الوزارة وصفا وظيفيا واضحا أو مدة عمل محددة أو علاقة مباشرة بين المهمة واحتياج اللاعبين والجهاز الفني.

 

كذلك يدعم طرح الناقد الرياضي حسن المستكاوي هذا المحور من زاوية مهنية لا حزبية لأنه شدد سابقا على أن التغطية الرياضية الجادة تحتاج قراءة القوانين الرياضية ولوائح فيفا وهذا المعنى يجعل تضخم البعثة غير مقبول دون رجوع معلن إلى لوائح البطولة وحدود أدوار الاتحاد المحلي.

 

وعلى هذا الأساس لا تكفي عبارة دعم المنتخب لتبرير السفر لأن الدعم الحقيقي يبدأ من حماية الفريق من المجاملات الإدارية التي تزاحم الفنيين والأطباء والمتخصصين وتمنح صورة أن البطولة تحولت من مهمة رياضية إلى نافذة سفر تمولها الدولة بينما يظل الجمهور خارج دائرة المعلومات.

 

الأرقام بالدولار تفتح باب الهدر بينما تطالب الحكومة الناس بالتقشف

 

بعد ذلك انتقل طلب الإحاطة إلى القرار رقم 759 لسنة 2026 الذي تضمن بنودا مالية بالدولار بينها 100 ألف دولار للمكملات والمستلزمات الطبية وهو رقم يفرض على الوزارة كشف نوع هذه المستلزمات وحجم المخزون القائم لدى المنتخب ودور الجهاز الطبي في تقدير الحاجة قبل اعتماد الصرف.

 

كما أثار بند 30 ألف دولار للوجبات الإضافية سؤالا لا يمكن تجاوزه لأن الجهة المنظمة توفر عادة خدمات إقامة وتغذية ولأن أي وجبات خارج النظام الرسمي تحتاج كشفا بعدد المستفيدين ومبررها الصحي أو التدريبي وتكلفتها اليومية حتى لا يتحول البند إلى مصروف مفتوح بلا سقف.

 

وفي السياق نفسه ظهر بند 25 ألف دولار للانتقالات الداخلية الإضافية رغم وجود منظومة نقل رسمية مرتبطة بالمنتخبات المشاركة وهو ما يجعل كلمة إضافية هي مركز الشبهة لأن الوزارة مطالبة ببيان الإضافة على ماذا ومن طلبها ومن يستفيد منها وهل ترتبط بمباريات المنتخب أم بتحركات مرافقة.

 

كذلك يطرح بند 3500 دولار للإكراميات وتغليف الأمتعة مشكلة أخطر من قيمته لأن إدراج الإكراميات كبند من المال العام يضرب مبدأ الانضباط المالي ويحتاج قاعدة صرف مكتوبة وموافقات رقابية مسبقة خاصة أن المبلغ يقترب من 200 ألف جنيه وفق تقديرات البياضي.

 

ثم يأتي بند 3000 دولار لخطوط الاتصالات الهاتفية ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الأسئلة لأن الوزارة يجب أن تعلن عدد الخطوط وأسماء المستخدمين والغرض الوظيفي لكل خط وسبب اختيار هذا الرقم في ظل وجود بدائل رقمية أقل تكلفة وأكثر قدرة على ضبط الاستخدام والمراجعة.

 

ومن زاوية اقتصادية يدعم الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا المحور لأن مواقفه المنشورة ربطت أزمة الاقتصاد المصري بهشاشة هيكلية واعتماد واسع على الديون ودعت إلى ترشيد الإنفاق العام وإعادة توجيهه نحو الأولويات الإنتاجية وهو منطق يجعل كل دولار في هذه البعثة محل رقابة لا مجاملة.

 

لذلك تبدو الأزمة أكبر من بعثة رياضية لأنها تكشف تناقضا بين خطاب رسمي يطالب الناس بتحمل الغلاء ونقص العملة الصعبة وبين قرار حكومي يفتح بنودا دولارية غير مشروحة داخل ملف جماهيري حساس كان يمكن أن يكون نموذجا للشفافية لا نموذجا للإنفاق المبهم.

 

إجازة الأمين العام وبدلات السفر تكشف ثغرة حوكمة داخل اتحاد الكرة

 

في المقابل فتح القرار رقم 760 لسنة 2026 شبهة مختلفة تتعلق بسفر أحد المسؤولين التنفيذيين في الاتحاد المصري لكرة القدم وهو الأمين العام ضمن البعثة لمدة تقارب 10 أيام مع صرف بدلات سفر ومخصصات مالية بينما تشير الوثائق إلى حصوله على إجازة في الفترة نفسها.

 

وهنا يصبح السؤال قانونيا وإداريا في الوقت ذاته لأن السفر الرسمي يعني تكليفا وظيفيا محددا وبدلات مرتبطة بالمهمة بينما تعني الإجازة انقطاعا مؤقتا عن العمل لذلك تحتاج الحكومة إلى تفسير كيف يجتمع الوصفان في فترة واحدة ومن اعتمد الصرف ومن راجع سلامة الإجراء.

 

فضلا عن ذلك يفرض غياب مسؤول تنفيذي داخل الاتحاد سؤالا عن إدارة العمل اليومي ومن يملك صلاحيات التوقيع والمتابعة خلال فترة السفر لأن ملفا بهذا الحجم لا يتعلق برحلة شخصية بل ببنية حوكمة يفترض أن تمنع تضارب الصفة الوظيفية مع المخصصات المالية.

 

ومن زاوية اقتصادية يدعم الخبير الاقتصادي ممدوح الولي هذا المحور لأنه يركز في كتاباته على كلفة القرارات الحكومية وأثرها على العملة الصعبة وترتيب أولويات الإنفاق العام لذلك يصبح كل بند دولاري داخل بعثة المنتخب مطالبا بتفسير منشور لا بتقدير إداري مغلق.

 

في النهاية يمثل منتخب مصر ملايين المصريين في كأس العالم لكن الحكومة تمثل المال العام أمام المواطنين ولا يجوز لها أن تستدعي الوطنية عندما تريد الصمت ثم تتجاهل الشفافية عندما يظهر بند بالدولار لأن المنتخب يحتاج دعما منضبطا والمواطن يحتاج رقابة حقيقية على كل جنيه وكل دولار.