كشفت شكاوى مواطنين في الإسكندرية والمنوفية وأسوان وأسيوط عبر صفحات محافظاتهم، عن تكرار انقطاع مياه الشرب وضعفها في مناطق سكنية وقرى كاملة خاصة خلال أيام عيد الأضحى المبارك، بينما أرجعت شركات المياه الأزمة إلى كسر خطوط رئيسية واستخدام الأهالي للمواتير وأعمال صيانة دورية، فبقي المواطن وحده أمام العطش وشراء المياه.

 

وتضع هذه الوقائع الحكومة أمام مسؤولية يومية لا تستطيع تغطيتها ببيانات فنية قصيرة، لأن المياه ليست خدمة ترفيهية ولا ملفا إداريا قابلا للتأجيل، بل حق أساسي يدخل في الطعام والنظافة والصحة والعمل، وكل ساعة انقطاع تتحول إلى عبء مباشر على الأسر والمخابز والمرضى والأدوار العليا.

 

الإسكندرية والمنوفية تكشفان هشاشة الشبكات وفشل إدارة الضغط

 

في البداية، جاءت شكاوى الإسكندرية من مناطق العجمي والنخيل والدخيلة لتكشف أن الأزمة ليست حادثا عابرا، لأن الأهالي تحدثوا عن انقطاع يومي لساعات طويلة، وعن عدم وصول المياه إلى الأدوار العليا دون مواتير، وعن غياب سيارات مياه تكفي الاحتياجات اليومية وقت الانقطاع.

 

ثم نسبت شركة مياه الشرب بالإسكندرية الانقطاع إلى كسر مفاجئ في الخط الناقل للمياه بشارع القسم على طريق الإسكندرية مطروح الساحلي، بقطر 700 مم، وهو تفسير فني لا يعفي الشركة من سؤال الصيانة الوقائية ومراجعة الخطوط قبل أن تنفجر الأزمة في بيوت الناس.

 

وبسبب تكرار الانقطاع في مناطق غرب الإسكندرية، لا يكفي إعلان إصلاح الخط المتضرر، لأن المشكلة امتدت إلى نمط خدمة ضعيف يجعل المواطن مضطرا إلى تركيب موتور خاص، ثم تتحول المواتير نفسها إلى جزء من الأزمة عندما تخل بتوزيع المياه بين الأدوار والمناطق.

 

كذلك ظهرت محافظة المنوفية كوجه آخر للمشكلة، حيث أكد مواطنون في مركز أشمون أن انقطاع المياه أصبح أزمة حقيقية للأسر خاصة في أوقات الصباح، وهي ساعات ترتبط بإعداد الطعام وتنظيف المنازل وخروج الطلاب والعمال، لا بمجرد استهلاك يمكن ترحيله.

 

وفي هذا المحور، تخدم خبرة المهندس ممدوح حمزة في البنية التحتية وشبكات المياه والصرف قراءة الأزمة من زاوية هندسية، لأن تكرار الكسور وضعف الضغوط يعنيان أن الشبكات لا تحتاج بيانات اعتذار فقط، بل تحتاج إحلالا وتجديدا واختبارا دوريا للأحمال ومناطق الضعف.

 

لذلك يصبح تحميل الأهالي مسؤولية استخدام المواتير هروبا من أصل المشكلة، لأن المواطن لا يشتري الموتور حبا في زيادة الاستهلاك، بل يشتريه عندما تفشل الشبكة العامة في إيصال المياه إلى شقته، خصوصا في الأدوار العليا والمناطق الطرفية ضعيفة الضغط.

 

كما أن تصريح شركة المنوفية عن قيامها بالصيانة وتطهير الشبكات لتسهيل وصول المياه إلى المناطق الضعيفة يثبت أن الضعف معروف ومحدد، وبالتالي يصبح السؤال عن موعد الحل النهائي لا عن تكرار نفس الجملة كلما اشتكى المواطنون من العطش.

 

ومن هنا، يجب أن تعلن شركات المياه خريطة واضحة للمناطق الساخنة ومواعيد الإصلاح وأرقام الشكاوى المنجزة، لأن الخدمة العامة لا تدار بالطمأنة اللفظية، بل بمؤشرات ضغط وساعات ضخ وجدول سيارات مياه ومساءلة قيادات الشركة عندما تتكرر الأعطال.

 

أسوان وأسيوط تدفعان ثمن الصيانة المتأخرة مع اقتراب الصيف

 

بعد ذلك، انتقلت الأزمة جنوبا إلى أسوان، حيث تحدث مواطنون عن استمرار الانقطاعات وضعف عام في المياه، وأبدى الأهالي مخاوفهم من استمرار الوضع مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك، وهي مخاوف واقعية في محافظة تعرف ضغط الحرارة مبكرا.

 

وفي المقابل، أكد مسؤولو شركة المياه في أسوان متابعة التشغيل في محطة مياه جبل شيشة المغذية لهذه المناطق، وهو رد يثبت مركزية المحطة في الخدمة، لكنه لا يجيب وحده عن سبب تكرار الضعف ولا يحدد موعدا معلنا لانتهاء المشكلة أمام السكان.

 

وبالتوازي، شهدت أسيوط انقطاعا كاملا للمياه عن 4 قرى هي الغنايم شرق والغنايم غرب والغنايم بحري والغنايم قبلي، واشتكى الأهالي من لجوئهم إلى شراء المياه بمبالغ باهظة، وهو ما يحول الانقطاع من عطل خدمي إلى عقوبة مالية على الأسر.

 

كذلك أكدت شركة مياه أسيوط والوادي الجديد أن الانقطاع يرتبط بإجراءات الصيانة الدورية ورفع كفاءة الشبكات، بما يضمن تحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، لكن الصيانة التي تقطع المياه عن قرى كاملة تحتاج إخطارا مسبقا ومياها بديلة لا مجرد بيان بعد المعاناة.

 

وفي هذا المسار، يقدم الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، زاوية مهمة عندما يحذر من الشح المائي وضغوطه على مصر، لأن أي ضعف في إدارة شبكات الشرب يجعل الفقر المائي أكبر أثرا داخل المنازل رغم وجود محطات وشركات قائمة.

 

لذلك لا تستطيع الحكومة فصل انقطاع المياه في أسوان وأسيوط عن ملف العدالة المكانية، لأن القرية التي تشتري المياه وقت الصيانة تدفع ثمنا لا يدفعه من يسكن مناطق أكثر حظا في الضخ والبدائل، بينما يفترض أن الدولة توفر خدمة أساسية واحدة للجميع.

 

كما أن اقتراب الصيف يضاعف مسؤولية الشركات، لأن الطلب على المياه يرتفع مع الحرارة، وتزيد الحاجة إلى الاستحمام والنظافة والطهي وغسل الأدوات، وتصبح أي ساعة انقطاع سببا في مشكلات صحية ومعيشية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والمرضى.

 

ومن ثم يجب أن تتحول الصيانة من مفاجأة للمواطن إلى برنامج معلن قبل التنفيذ، مع توفير سيارات مياه في القرى والمناطق المتضررة، لأن الشركة التي تعرف موعد الغسيل أو الإصلاح لا تملك عذرا في ترك الأهالي يشترون المياه بأسعار مرتفعة.

 

الحق في المياه لا تحميه البيانات بل تحميه رقابة وخطة إحلال

 

في المقابل، تكشف الوقائع الأربع أن الأزمة لا تتعلق بمحافظة واحدة أو كسر واحد، بل بنمط إدارة يسمح بتراكم الأعطال ثم يقدم أسبابا منفصلة لكل منطقة، مرة كسر خط، ومرة مواتير، ومرة صيانة، ومرة متابعة محطة، بينما النتيجة واحدة في بيت المواطن.

 

وهنا يقدم الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، دعما لمحور أوسع عن ندرة المياه وضغط الموارد، لأن حديثه المتكرر عن تحديات مصر المائية يوضح أن كل متر مكعب مهدور في الشبكات أو سوء التوزيع يحمل كلفة وطنية مباشرة.

 

لذلك تصبح الشبكات القديمة والضغط غير المتوازن وفاقد المياه قضايا سياسية لا فنية فقط، لأن الدولة تنفق مليارات على مشروعات كبرى بينما يشتري سكان قرى مياه الشرب عند الانقطاع، وتنتظر أسر في الإسكندرية والمنوفية عودة المياه كي تقضي أبسط احتياجاتها.

 

كما أن استخدام المواتير يعكس خللا في العلاقة بين المواطن والمرفق العام، لأن الدولة تترك الفرد يعالج ضعف الشبكة بوسيلة خاصة، ثم تعود الشركات لتقول إن هذه الوسيلة تضر التوزيع، من دون أن تقدم ضغطا عادلا يغني السكان عن الحل الفردي.

 

وعلى مستوى الصحة العامة، تؤكد منظمة الصحة العالمية في دراسة عن مصر أن انقطاع إمدادات المياه وتخزينها داخل المنازل يرتبطان بنتائج صحية قابلة للقياس، خاصة لدى الأطفال، وهو ما يجعل انتظام الخدمة جزءا من الوقاية لا مجرد راحة يومية.

 

وبناء على ذلك، لا يجوز أن تبقى سيارات المياه استثناء عشوائيا يظهر أو يغيب حسب المنطقة، لأن غياب البديل وقت الانقطاع يعني أن الأسر ستخزن المياه في أوعية غير مضمونة أو تشتريها من مصادر مختلفة، بما يفتح بابا لمخاطر صحية إضافية.

 

ثم إن الحق في المياه بحسب الأمم المتحدة يشمل إتاحة مياه كافية وآمنة ومقبولة وميسورة التكلفة وقابلة للوصول للاستخدام الشخصي والمنزلي، وهذا التعريف يفضح ضعف الخدمة عندما لا تصل المياه إلى الأدوار العليا أو تنقطع عن قرى كاملة لساعات.

 

لذلك تحتاج الحكومة إلى خطة إحلال وتجديد معلنة لشبكات مياه الشرب في المحافظات الأكثر شكوى، مع نشر نسب الفاقد، وعدد الكسور الشهرية، ومتوسط ساعات الانقطاع، ومواعيد الصيانة، لأن السرية في أرقام المرافق العامة تترك المواطن أسير البلاغات الفردية.

 

كما يجب أن تتوقف الشركات عن معاملة البلاغات كأحداث معزولة، وأن تنشر تقارير شهرية عن خطوط النقل الرئيسية والمحطات الضعيفة ومناطق الضغط المنخفض، لأن الإدارة التي تعرف أين يحدث العطل تستطيع منعه، والإدارة التي تنتظر الشكوى تدير الأزمة بعد وقوعها.

 

وفي النهاية، تكشف شكاوى الإسكندرية والمنوفية وأسوان وأسيوط أن أزمة المياه في مصر لم تعد مسألة نادرة أو هامشية، بل صارت اختبارا لقدرة الدولة على حماية خدمة أساسية من الانقطاع المتكرر، وقياسا حقيقيا لعدالة الإنفاق العام خارج صور الافتتاحات.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج المواطن إلى بيان جديد يشرح الكسر أو يلوم المواتير، بل يحتاج إلى مياه منتظمة تصل إلى بيته، وسيارات بديلة عند الانقطاع، وجدول صيانة معلن، ومحاسبة لشركات تتعامل مع العطش كأنه خبر عابر لا أزمة معيشية تمس الكرامة والصحة.