حذرت وقائع وفاة وإغماء بين عمال المواقع المكشوفة في مصر من تحول موجات الحر الشديدة إلى خطر مهني مباشر، بعد وفاة عامل في مشروع للطاقة الشمسية بأسوان متأثرا بالإجهاد الحراري، مع تزايد المخاطر على عمال البناء والزراعة والنظافة والعمالة اليومية.

 

وتكشف الأزمة غياب حماية حكومية ملزمة للعامل الذي يقف تحت الشمس كي يكسب يومه، بينما تترك مواقع كثيرة العمال بلا تظليل كاف ولا مياه مبردة ولا فترات راحة ولا إسعافات أولية، في بلد أصبحت ذروة الظهيرة فيه تهديدا صحيا لا ظرفا عاديا.

 

وفاة أسوان تكشف ثمن العمل في ذروة الحر

 

في البداية، أعادت وفاة عامل شاب في مشروع محطة الطاقة الشمسية بقرية الرقبة في محافظة أسوان ملف الإجهاد الحراري إلى الواجهة، بعدما نظم عمال اليومية وقفة احتجاجية داخل موقع العمل عقب الواقعة، مطالبين بتحسين ظروف السلامة والعمل.

 

ثم تحولت الواقعة إلى إنذار واضح لكل مواقع العمل المكشوفة، لأن العامل المتوفى لم يكن يؤدي عملا استثنائيا خارج منطق السوق، بل كان يعمل ضمن مشروع كبير في محافظة معروفة بحرارتها القاسية، وسط مطالب بتوفير حماية حقيقية لا وعود عامة.

 

وبحسب تغطيات صحفية وحقوقية، ربط عمال في الموقع بين الوفاة وبين العمل في موجة حر شديدة ونقص إجراءات السلامة، بينما طالبوا بتحسين الأجور وتوفير وسائل حماية وتعديل مواعيد العمل بما يقلل تعرضهم المباشر للشمس خلال ساعات الذروة.

 

وبسبب ذلك، لم تعد المسألة تخص أسوان وحدها، لأن قطاعات واسعة من العمالة اليومية وغير المنتظمة تعمل في مواقع مشابهة، من البناء إلى الزراعة والنظافة والخدمات والصناعات المكشوفة، وغالبا لا يملك العامل رفاهية رفض الوردية أو مغادرة الموقع.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، زاوية الحقوق العمالية، لأنه يربط السلامة المهنية بميزان القوة داخل العمل، حيث يخشى العامل الفقير خسارة يوميته إذا طالب بالراحة أو الحماية.

 

لذلك تصبح وفاة عامل بالإجهاد الحراري نتيجة بيئة عمل مكشوفة أكثر من كونها حادثا فرديا، لأن الخطر معروف مسبقا، وأوقات الذروة معروفة، والقطاعات الأشد تعرضا معروفة، ومع ذلك لا توجد قاعدة وطنية ملزمة توقف الأعمال الشاقة وقت الخطر.

 

كذلك يفرض تغير المناخ واقعا جديدا على سوق العمل المصري، فارتفاع درجات الحرارة وتكرار الموجات الحارة يجعلان العمل الخارجي أكثر خطرا، خصوصا في المحافظات الجنوبية والمناطق الصحراوية ومواقع الطاقة والبناء والطرق والزراعة المكشوفة.

 

ومن هنا، لا تكفي نشرات الطقس أو التحذيرات الصحية العامة، لأن العامل يحتاج قرارا واضحا داخل موقع العمل يحدد متى يتوقف النشاط البدني الشاق، ومتى تبدأ الراحة، ومن المسؤول عن الماء والتظليل والإسعاف والنقل إلى المستشفى.

 

كما أن الخطر لا يظهر في الوفاة فقط، بل يظهر في الإغماء والتشنجات والجفاف واضطراب الوعي والإصابات الناتجة عن فقدان التركيز، وهي مخاطر قد تضرب العامل نفسه وتؤدي أيضا إلى حوادث سقوط أو اصطدام داخل مواقع البناء والصناعة.

 

غياب الحماية يحول الظهيرة إلى اختبار قاس للعمالة اليومية

 

في المقابل، يعيش عمال النظافة والبناء والزراعة والعمالة الموسمية أكثر صور التعرض للشمس، لأنهم يعملون في الشوارع والحقول والأسطح والمواقع المفتوحة، وغالبا لا تتوفر لهم عقود مستقرة أو تأمين صحي أو قدرة تفاوضية على تعديل ساعات العمل.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح تنظيم العمل خلال ساعات الظهيرة مطلبا صحيا ومهنيا، لا منحة من صاحب العمل، لأن وقف أو تقليل الأعمال البدنية الشاقة وقت الذروة الحرارية يحمي العمال ويقلل الإصابات ويحافظ على الإنتاج دون دفع الناس إلى الخطر.

 

وبينما اتخذت بعض المحافظات إجراءات مؤقتة لتنظيم العمل وقت الحر، بقيت المشكلة في غياب قاعدة عامة ملزمة على مستوى الدولة، تشمل مواقع القطاع الخاص والمقاولين والعمالة غير المنتظمة، وتفرض رقابة واضحة لا تترك القرار لصاحب العمل وحده.

 

وفي هذا السياق، تخدم فاطمة رمضان، النقابية والباحثة العمالية، محور العمالة الهشة، لأن كتاباتها ومواقفها تناولت عمال التراحيل والمقاولات والعمال الذين يدفعون ثمن ضعف الحماية، حيث يصبح العمل في الخطر شرطا للبقاء لا اختيارا.

 

لذلك يجب إلزام جهات العمل بتوفير أماكن تظليل ومياه مبردة وفترات راحة منتظمة وإسعافات أولية وتدريب للمشرفين على علامات الإجهاد الحراري، مع نقل سريع للحالات الخطرة، لأن الدقيقة المتأخرة قد تفصل بين إغماء عابر ووفاة.

 

كما يجب إعادة تنظيم الورديات في الصيف بحيث يبدأ العمل الشاق مبكرا أو يمتد إلى ساعات أقل حرارة، مع احتساب الأجر كاملا وعدم تحميل العامل تكلفة الحماية، لأن تقليل التعرض للحرارة لا يعني تقليل حقه في الدخل.

 

وبجانب ذلك، تمثل العمالة اليومية الحلقة الأضعف في تطبيق أي حماية، لأن العامل غير المسجل يخاف من استبعاده إذا اعترض، وصاحب العمل قد يتجنب الإنفاق على الوقاية، بينما تضعف قدرة التفتيش الرسمي على الوصول إلى المواقع الصغيرة والموسمية.

 

ومن ثم، تحتاج الدولة إلى ربط تراخيص مواقع البناء والمشروعات والأنشطة الزراعية والصناعية المكشوفة بخطة سلامة حرارية، تشمل جدول العمل والراحة والتظليل والمياه، مع غرامات فورية عند التشغيل في ظروف تهدد حياة العمال.

 

وبصورة أكثر خطورة، يتعرض الأطفال في بعض الأعمال الزراعية والموسمية لمخاطر مضاعفة خلال موجات الحر، لأن أجسامهم أقل قدرة على تحمل الجفاف والإجهاد، ولأن تشغيلهم في الحقول تحت الشمس يجمع بين مخالفة عمالية وخطر صحي مباشر.

 

الحماية من الحر مسؤولية دولة لا نصيحة موسمية

 

على المستوى الدولي، حذرت منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية في أغسطس 2025 من أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر بشدة في صحة العمال وإنتاجيتهم، وأكدت الإرشادات الجديدة أن الإجهاد الحراري في مكان العمل صار خطرا متزايدا.

 

كما قالت منظمة العمل الدولية إن الحرارة المفرطة تهدد أكثر من 70% من العمال حول العالم، وتسبب سنويا نحو 22.8 مليون إصابة عمل وحوالي 19 ألف وفاة مرتبطة بالحرارة، وهي أرقام تجعل المسألة قضية عمل لا مجرد طقس صيفي.

 

وفي هذا المحور، يخدم خالد علي، المحامي المتخصص في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، زاوية المساءلة القانونية، لأن قضايا العمال لا تنفصل عن واجب صاحب العمل والدولة في توفير بيئة آمنة ومنع تشغيل الناس في ظروف قاتلة.

 

لذلك يجب أن تتضمن قواعد السلامة المهنية في مصر نصا واضحا عن الإجهاد الحراري، يحدد درجات الحرارة أو مؤشرات الخطر التي تستوجب وقف الأعمال الشاقة، ويمنع تحميل العامل مسؤولية التعرض للشمس عندما يكون صاحب العمل هو من يحدد ساعات الوردية.

 

كذلك تحتاج وزارة العمل إلى تفتيش حقيقي على مواقع البناء والزراعة والنظافة والمشروعات الكبرى، لا زيارات شكلية معلنة، لأن الخطر يقع غالبا في المواقع التي يعمل فيها عمال يومية بلا عقود ولا صوت ولا نقابة قادرة على حمايتهم.

 

وبالتوازي، يجب أن تعلن الحكومة بيانات دورية عن إصابات الإجهاد الحراري المهنية والوفيات المرتبطة بالحرارة، لأن غياب الأرقام يخفي حجم الكارثة، ويجعل كل وفاة تبدو حادثا منفصلا بدلا من أن تظهر كجزء من نمط متكرر.

 

ثم إن حماية العمال من الحر لا تعطل الاقتصاد، بل تمنع خسائر أكبر في الإصابات والإجازات والحوادث وتراجع الإنتاجية، لأن العامل المنهك حراريا لا يعمل بكفاءة، وقد يخطئ في موقع خطر فيؤذي نفسه وزملاءه والمارة.

 

ولهذا يصبح تنظيم العمل وقت الظهيرة في الصيف خطوة ضرورية، خصوصا في أعمال النظافة والبناء والزراعة والطرق والطاقة وبعض الأنشطة الصناعية والخدمية، مع منع تشغيل الأطفال في الأعمال المكشوفة خلال موجات الحر بصورة قاطعة.

 

وفي المحصلة، تكشف موجات الحر أن العامل المصري لا يواجه الشمس وحدها، بل يواجه سوقا يضغط عليه كي يعمل في الخطر، وحكومة لم تحول التحذيرات المناخية إلى قواعد إلزامية تحمي من يمهد الطريق ويبني البيت وينظف الشارع ويحصد الزرع.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج العمال إلى خطابات عن الصبر في الصيف، بل يحتاجون إلى قرار ملزم يوقف الأعمال الشاقة وقت الظهيرة، ومياها وتظليلا وراحة وإسعافا، ومحاسبة لصاحب عمل يضع يومية العامل فوق حياته.