كشف تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات في القاهرة بنهاية مارس 2026 وصول مديونية الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لصالح الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي إلى 342 مليون و859 ألف جنيه حتى ديسمبر الماضي.
ويأتي التقرير بينما تواصل سلطة السيسي تمويل منظومة إعلامية واسعة تملك أكثر من 40 شركة، في وقت يتحمل المصريون تضخم الأسعار وتراجع الخدمات وقيودًا متزايدة على الصحافة المستقلة.
تقرير رقابي يضع المتحدة أمام رقم ثقيل
في البداية يوضح الرقم أن الحديث المتداول عن خسائر 343 مليون جنيه يحتاج تدقيقًا، لأن البيانات المتاحة تشير إلى مديونية مستحقة على الشركة المتحدة وليست خسائر تشغيلية معلنة داخل قوائمها.
وبحسب ما نقلته منصات تحقق مصرية عن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، قفزت مديونية المتحدة لصالح مدينة الإنتاج الإعلامي بأكثر من 54% خلال عام واحد حتى نهاية ديسمبر الماضي.
كما أشار التقرير إلى أن مديونية المتحدة تمثل 38.3% من إجمالي ديون الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي على عملائها، وهو تركيز مالي يضع جهة واحدة أمام عبء كبير.
ومن هنا تتحول المديونية إلى مؤشر رقابي خطير، لأن الشركة التي تقدم نفسها كقائدة لصناعة الإعلام تتحول إلى مدين كبير لكيان إنتاجي حكومي الطابع داخل مدينة الإعلام نفسها.
في هذا السياق يخدم تحقيق حسام بهجت في مدى مصر محور الملكية والسيطرة، إذ وثق منذ ديسمبر 2017 تفاصيل استحواذ شركة إيجل كابيتال المرتبطة بالمخابرات على إعلام المصريين.
وبذلك لا يظهر الرقم كأزمة تجارية عادية بين شركتين، بل يظهر داخل شبكة إعلامية توسعت تحت رعاية أجهزة الدولة، ثم حملت معها ديونًا وملاحظات رقابية بدل أرباح معلنة.
لذلك يصبح تقرير المركزي للمحاسبات وثيقة مساءلة سياسية قبل أن يكون ملاحظة مالية، لأنه يكشف تكلفة منظومة احتكرت الشاشات بينما لم تقدم نموذجًا اقتصاديًا قادرًا على سداد التزاماته.
إعلام تحت السيطرة لا مشروع اقتصادي
ثم تكشف خلفية الشركة المتحدة أن الأزمة لا تقف عند حسابات مدينة الإنتاج الإعلامي، لأن الشركة تأسست في مايو 2016 وتقدم نفسها كواحدة من أكبر الكيانات الإعلامية العربية.
ورغم هذا الخطاب الرسمي عن الريادة، تقول الشركة على موقعها إنها تمتلك أكثر من 40 شركة في مجالات التلفزيون والإذاعة والصحافة والمنصات والإنتاج والحقوق الرياضية والإعلان.
في المقابل وثقت تقارير مستقلة أن هذا التوسع جاء عبر مسار استحواذات أمنية على مؤسسات إعلامية مؤثرة، بما جعل السوق الإعلامية أقرب إلى منصة واحدة تدير الرسالة العامة.
ويخدم رأي الناشر الصحفي هشام قاسم هذا المحور، إذ قال إن الأجهزة الأمنية تعمل في الإعلام بغرض التحكم الكامل في الرسائل الإعلامية وليس وفق خطة ربح حقيقية.
كما حذر قاسم من ضخامة المبالغ المهدرة في صفقات الإعلام ومن خروج عاملين من المجال، وهي ملاحظات تكتسب وزنًا جديدًا مع تضخم ديون المتحدة لصالح مدينة الإنتاج الإعلامي.
وعلى هذا الأساس تبدو المديونية نتيجة منطقية لمنظومة وضعت الولاء السياسي قبل الكفاءة الاقتصادية، لأن الإعلام الذي يعمل لتثبيت رواية السلطة لا يخضع لاختبار الجمهور والسوق.
كذلك تكشف إعادة تشكيل مجلس إدارة المتحدة في ديسمبر 2024 عن أزمة مستمرة، بعدما ربطت مصادر صحفية مستقلة التغيير بما أثير عن شبهات فساد مالي داخل المؤسسة.
ومن ثم لا تكفي لافتة التطوير لتغطية الأزمة، لأن كل إعادة هيكلة تأتي بعد حديث جديد عن فساد أو خسائر أو مديونيات، بينما تبقى السيطرة السياسية على المحتوى ثابتة.
كلفة تزييف الوعي في بلد مأزوم
على صعيد الحريات، لا تنفصل ديون المتحدة عن دورها السياسي، لأن لجنة حماية الصحفيين وصفت الشركة في يوليو 2025 بأنها مرتبطة بالسلطات المصرية ومتصلة بجهاز المخابرات العامة.
وقد ربطت اللجنة بين قرارات داخل الشركة وبين وقف برامج ومذيعين بعد انتقادات للحكومة، وهو ما يضع الكلفة المالية داخل سياق أوسع من السيطرة على المجال العام.
ويخدم رأي شريف منصور هذا المحور، إذ قال إن الحكومة تسعى إلى السيطرة على الرواية العامة، وهو توصيف يفسر لماذا تستمر الدولة في تمويل إعلام محدود الاستقلالية.
بالتالي لا يدفع المصريون ثمن منظومة إعلامية فاشلة ماليًا فقط، بل يدفعون ثمن رواية رسمية تحاصر النقاش العام وتهمش الأسئلة المتعلقة بالغلاء والديون والفساد والحقوق.
وفي الوقت نفسه يعاني الصحفيون داخل السوق من ضعف الرواتب وندرة فرص العمل والتسريح، بينما تحصل مؤسسة إعلامية مركزية على نفوذ واسع رغم تراكم المديونيات والملاحظات الرقابية.
لذلك يفضح رقم 343 مليون جنيه تناقضًا حادًا في خطاب السلطة، لأنها تطالب المواطن بالصبر على التقشف ثم تواصل تمويل آلة إعلامية تستخدم المال العام سياسيًا.
ثم يتأكد هذا التناقض عندما تقارن الحكومة بين دعم الخبز والطاقة وبين الإنفاق على صناعة إعلامية لا تحقق استقلالًا مهنيًا ولا ربحًا مستقرًا ولا حقًا في المعرفة.
في النهاية لا يطرح تقرير المركزي للمحاسبات سؤالًا محاسبيًا ضيقًا عن ديون شركة بعينها، بل يطرح سؤالًا أوسع عن تكلفة إعلام السيسي ومن يدفع فاتورة السيطرة على الوعي.
ولهذا تمثل مديونية المتحدة لصالح مدينة الإنتاج الإعلامي إنذارًا جديدًا، لأن السلطة التي صادرت التعدد الإعلامي لم تنتج سوقًا قويًا بل صنعت كيانًا كبيرًا بديون كبيرة.

