تداولت مجموعات الغش الإلكتروني، اليوم الخميس 4 يونيو 2026، صورًا لامتحان اللغة العربية للشهادة الإعدادية في الجيزة، ونماذج من التربية الدينية في الدقهلية وسوهاج وكفر الشيخ، بعد بدء اللجان بما يقارب 45 دقيقة، ما أعاد أزمة تأمين الامتحانات إلى الواجهة.

 

وجاءت الواقعة قبل أيام من انطلاق امتحانات الثانوية العامة، لتضع وزارة التربية والتعليم أمام اختبار مبكر لم تنجح فيه ميدانيًا، لأن صور الأسئلة خرجت من اللجان رغم التحذيرات المتكررة ومنع الهواتف المحمولة وتشديد إجراءات التفتيش داخل المدارس.

 

شاومينج يعود من بوابة الشهادة الإعدادية

 

في البداية، لم تظهر الأزمة كواقعة معزولة داخل لجنة واحدة، لأن الصور المتداولة طالت أكثر من محافظة، وشملت امتحان اللغة العربية للصف الثالث الإعدادي في الجيزة، إلى جانب امتحانات التربية الدينية في محافظات أخرى خلال اليوم نفسه.

 

كما قالت تقارير صحفية إن جروبات الغش على تطبيق تليجرام وواتساب نشرت صور الأسئلة والإجابات بعد مرور نحو 45 دقيقة من بداية الامتحان، وهو توقيت يجعل الواقعة أقرب إلى تصوير من داخل اللجان لا تسريب مسبق كامل.

 

وبحسب هذا التوصيف، لا تستطيع الوزارة الاكتفاء بعبارة أن الامتحان لم يسرب قبل بدء اللجنة، لأن تصوير الورقة أثناء الامتحان يسمح بتداول الإجابات خلال الوقت الرسمي ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.

 

ويخدم رأي الباحث التربوي كمال مغيث هذا المحور، إذ حذر سابقًا من أن الغش الإلكتروني صار دليلًا على فقدان الحكومة السيطرة على صفحات تداول الامتحانات، وأن الإجراءات الأمنية وحدها لا تعالج جذور الأزمة.

 

لذلك تتكرر المشكلة كل عام تقريبًا لأن الوزارة تتعامل مع الغش كحادث طارئ بعد وقوعه، بينما تتعامل شبكات الغش مع موسم الامتحانات كعملية منظمة تعتمد على السرعة والتطبيقات المغلقة وصور الأوراق من داخل اللجان.

 

ثم تزيد خطورة الواقعة لأنها حدثت مع الشهادة الإعدادية التي تديرها المديريات التعليمية محليًا، وهو ما يعني أن ضعف ضبط اللجان لا يرتبط فقط بالثانوية العامة، بل يمتد إلى منظومة امتحانية أوسع داخل المحافظات.

 

تصوير لا تسريب لكنه فشل رقابي

 

في المقابل، يميز خبراء التعليم بين تسريب الامتحان قبل توزيعه على الطلاب، وبين تصوير الأسئلة بعد بداية اللجنة، لأن الحالة الأولى تضرب سرية الطباعة والتوزيع، بينما تكشف الثانية فشل التفتيش والملاحظة داخل المدرسة.

 

غير أن هذا التفريق لا يخفف مسؤولية وزارة التربية والتعليم، لأن خروج صورة ورقة الامتحان من اللجنة يعني أن طالبًا أو مراقبًا أو طرفًا داخل المدرسة استطاع إدخال هاتف أو جهاز تصوير رغم التعليمات الرسمية.

 

وعندما أعلنت المديريات التعليمية قبل الامتحانات منع الهواتف المحمولة داخل اللجان، كانت الوزارة تراهن على التفتيش والمراقبة والإجراءات القانونية، لكن الصور المتداولة أظهرت أن الحظر المكتوب لم يتحول إلى سيطرة فعلية داخل اللجنة.

 

وفي هذا السياق، يشدد الخبير التعليمي حسن شحاتة على أهمية أنظمة رقابة إلكترونية تعتمد على الكاميرات وتسجيل الامتحانات ومراجعة التسجيلات دوريًا، مع اختيار الملاحظين وفق معايير دقيقة وحمايتهم من الضغوط.

 

وبهذا المعنى، لا تكفي تعليمات منع المحمول ولا بيانات غرف العمليات، لأن الغش الإلكتروني يتطلب رقابة قابلة للتحقق، ومراجعة لاحقة لكل لجنة ظهرت منها صور، ومحاسبة واضحة للطالب والملاحظ ورئيس اللجنة.

 

كما أن قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات رقم 205 لسنة 2020 يضع عقوبات على نشر أو ترويج أسئلة الامتحانات، لكن تكرار الوقائع يؤكد أن النصوص القانونية لا تتحول وحدها إلى ردع دون تنفيذ معلن.

 

اختبار مبكر قبل ماراثون الثانوية العامة

 

على مستوى التوقيت، جاءت الواقعة بينما تستعد الوزارة لامتحانات الثانوية العامة 2026، وهي الامتحانات الأعلى حساسية اجتماعيًا وسياسيًا، بسبب ارتباطها بتنسيق الجامعات ومستقبل مئات الآلاف من الطلاب والأسر.

 

وقبل هذه الامتحانات، تحدثت الوزارة عن كاميرات داخل اللجان، وتفتيش أكثر دقة، وإجراءات غير معلنة لكشف الغش الإلكتروني خلال ثوان، لكن واقعة الإعدادية طرحت سؤالًا عمليًا عن قدرة هذه الإجراءات على العمل.

 

ويخدم رأي أستاذ علم النفس التربوي تامر شوقي هذا المحور، إذ يرى أن الغش في الامتحانات مشكلة مستمرة لا يمكن إنهاؤها بالكامل، لكن يمكن خفضها عبر رقابة حقيقية وتخفيف ضغوط الأسرة وتغيير فلسفة الامتحان.

 

من هنا تبدو الشهادة الإعدادية بروفة قاسية قبل الثانوية العامة، لأن المشكلة لم تعد في تأمين مراكز توزيع الأسئلة فقط، بل في منع خروج الورقة بعد توزيعها، وضبط الهواتف الصغيرة والسماعات والتطبيقات المغلقة.

 

كذلك يطرح تداول امتحان التربية الدينية مع اللغة العربية جانبًا آخر من الأزمة، لأن مواد غير مضافة للمجموع أو أقل حساسية في نظر الطلاب لا تزال تجد طريقها إلى جروبات الغش بسرعة.

 

وبالتالي، إذا عجزت اللجان عن منع تصوير امتحان إعدادي في أول أيام نهاية العام، فإن الوزارة مطالبة بإعلان نتيجة تحقيق واضحة قبل الثانوية العامة، لا الاكتفاء بعبارات المتابعة واتخاذ الإجراءات القانونية.

 

في النهاية، لا تكشف واقعة تسريب امتحان الإعدادية أزمة ورقة خرجت إلى تليجرام فقط، بل تكشف خللًا إداريًا يتكرر مع كل موسم، وتدفع ثمنه الأسر التي تلتزم بالقواعد بينما يحصل غيرها على إجابات من الخارج.

 

ولهذا يصبح السؤال قبل الثانوية العامة أكثر إلحاحًا، هل تملك الوزارة خطة ضبط حقيقية داخل اللجان، أم أنها ستنتظر أول صورة من امتحان الثانوية ثم تعود إلى الخطاب نفسه عن التتبع والتحقيق والمحاسبة.