كشفت أزمة عقاري كفر طهرمس المائلين في حي الهرم بمحافظة الجيزة، عن مأساة إنسانية حاصرت نحو 72 أسرة بعد قرار إخلاء فوري، صدر عقب رصد ميول إنشائية وتصدعات وشروخ، وقطع المرافق عن العقارين، وفرض كردون أمني خشية انهيارهما على السكان والمارة.


وتضع الواقعة أجهزة محافظة الجيزة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الإخلاء الذي جرى حفاظًا على الأرواح لم تصاحبه حماية اجتماعية كافية للأسر المتضررة، بينما وجد طلاب ثانوية وجامعة أنفسهم خارج بيوتهم، بين امتحانات معلقة وكتب محبوسة داخل شقق يخافون من دخولها.


إخلاء مفاجئ وكردون أمني في قلب كفر طهرمس


في أزقة كفر طهرمس التي اعتادت ضجيج الباعة وحركة الأطفال، توقفت الحياة منتصف ليل الجمعة 5 يونيو، عندما فرض حي الهرم كردونًا أمنيًا أمام العقارين المتضررين، بعد ظهور شروخ وتصدعات ومؤشرات ميل استدعت إخلاء السكان بشكل عاجل.


وبحسب البيانات المتاحة، يقع أحد العقارين في شارع حسين عباس المتفرع من شارع كفر طهرمس بمنطقة فيصل، بينما يقع العقار الثاني في شارع أحمد نور الدين، وقررت لجنة المنشآت الآيلة للسقوط التعامل معهما كخطر إنشائي يحتاج إلى متابعة فنية عاجلة.


وقال رئيس حي الهرم في تصريحات صحفية إن العقارين جرى إخلاؤهما بالكامل من السكان كإجراء احترازي فوري، حفاظًا على الأرواح، بعد رصد ميل إنشائي استدعى التدخل، موضحًا أن الإخلاء شمل الأشخاص فقط دون السماح بإخراج الأثاث والأجهزة المنزلية.


كما قطع الحي الكهرباء والمياه والغاز عن العقارين، ووضع حواجز خرسانية لمنع الاقتراب من المكان، بينما بقيت الأسر في حالة انتظار أمام المنازل، تراقب شققها من الخارج ولا تعرف هل ستعود إليها بعد 3 أشهر أم ستواجه قرار إزالة وتعويض لاحق.


وتكشف هذه الإجراءات أن الخطر كان جديًا بما يكفي لإخلاء كامل وقطع مرافق وكردون أمني، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن التدخل الرسمي توقف عند منع الكارثة، ولم يمتد بالسرعة نفسها إلى إنقاذ الأسر من النوم في الشارع.


طلاب الثانوية والجامعة يدفعون ثمن الأزمة


كان وقع القرار أكثر قسوة على الطلاب، لأن الإخلاء جاء بالتزامن مع موسم الامتحانات، فتحدثت الأسر عن طلاب ثانوية عامة يذاكرون في الشارع، وطلاب جامعة لا يستطيعون دخول الشقق للحصول على الملابس والكتب، خوفًا من سقوط العقار فوق رؤوسهم.


وقال مهند، وهو طالب بالصف الثالث الثانوي عمره 17 عامًا، إنه كان يستعد لدخول الامتحانات لتحقيق حلمه بالالتحاق بكلية الهندسة، قبل أن يجد نفسه عاجزًا عن جلب كتبه من المنزل، مؤكدًا أن 5 طلاب ثانوية معه يذاكرون في الشارع.


70 أسرة في مهب الريح


ولم تختلف رواية طالبة جامعة القاهرة عن رواية مهند، إذ قالت في بث مباشر إنها خرجت من شقتها مع أسرتها دون توفير بديل، وإن لديها امتحانًا في الصباح ولا تستطيع دخول المنزل لإحضار ملابسها، بينما تنام الأسرة في الشارع وتنتظر حلًا.


وتحولت الأزمة هنا من ملف هندسي إلى مأساة تعليمية واجتماعية، لأن الطالب الذي يفترض أن يستعد للامتحان داخل غرفة هادئة، أصبح يذاكر على الرصيف، ويحرس حقيبة صغيرة، وينتظر قرار لجنة لا يعرف موعد عودته بعدها إلى منزله.


كما نقل الأهالي في مقاطع مصورة حالة ارتباك واسعة، بين أسر تبحث عن مأوى مؤقت، وأمهات يخشين على الأطفال، وسكان لا يملكون قدرة مالية على استئجار شقق بديلة، خاصة أن الإخلاء جاء سريعًا ولم يمنحهم فرصة لترتيب حياتهم.


"عيالنا عندها امتحانات ومش عارفين يذاكروا فين".. سكان عقاري بكفر طهرمس يناشدون.


3 أشهر انتظار وميل يتجاوز المعدلات الطبيعية


أوصى مهندس متخصص من جامعة القاهرة بوضع العقارين تحت الملاحظة لمدة 3 أشهر، لمتابعة ما إذا كانت نسب الميل ستظل ثابتة أو ستتغير، وهو قرار يعني أن الأسر لن تواجه ليلة واحدة خارج منازلها، بل فترة غامضة تمتد حتى يتضح المصير النهائي.


وبحسب تقرير اللجنة الهندسية الذي نشرته تقارير صحفية، بلغت درجة الميل في العقار الأول الكائن بشارع حسين عباس نحو 26.89 سم لكل 24 مترًا، فيما سجل العقار الثاني الواقع في شارع أحمد نور الدين ميلًا بلغ 33.46 سم لكل 33 مترًا.


وتؤكد هذه الأرقام أن الحديث لا يدور عن شروخ عابرة أو قلق مبالغ فيه من السكان، بل عن مؤشر فني دفع اللجنة إلى الإخلاء وقطع المرافق والمتابعة، لأن أي زيادة في الميل خلال فترة الرصد قد تقود إلى قرار إزالة أو تدخل إنشائي أكثر حسمًا.


في المقابل، قال رئيس حي الهرم إن حال صدور قرار بإزالة العقارين سيتم صرف تعويضات كاملة للمتضررين، بالتنسيق مع محافظة الجيزة ومديرية التضامن الاجتماعي، لكنه أشار أيضًا إلى أن جميع الأسر وفرت أماكن إقامة بديلة مؤقتة، وهو ما يتناقض مع شهادات سكان قالوا إنهم باتوا في الشارع.

 

متضررة من سكان عقاري كفر طهرمس: هنروح فين؟


وتكشف هذه الفجوة بين التصريحات الرسمية وشهادات الأهالي جوهر الأزمة، لأن الدولة اتخذت قرارًا ضروريًا بحماية الأرواح، لكنها تركت المتضررين يواجهون نتائج القرار بمواردهم الشخصية، بين من وجد قريبًا يستضيفه، ومن افترش الرصيف، ومن ينتظر اجتماع المحافظة لحسم مصيره.


وفي النهاية، لا تختصر أزمة عقاري كفر طهرمس في برجين مائلين أو تقرير هندسي منتظر، بل تكشف هشاشة واسعة في إدارة الخطر العمراني داخل المناطق المكتظة، حيث تتحول الشقة التي تمثل حصيلة عمر الأسرة إلى مكان محظور، ويتحول الرصيف إلى بديل اضطراري للسكن والمذاكرة والانتظار.