كشفت وزارة المالية في لندن عن اتجاه الحكومة المصرية للتوسع في برنامج مبادلة الديون باستثمارات في التعليم والرعاية الصحية وتنمية المهارات، بينما يبلغ الدين الخارجي نحو 163.9 مليار دولار وفق أحدث بيانات منشورة عن البنك المركزي.
وتطرح الحكومة الخطة كمسار لتخفيف الضغط على الدولار وربط الديون بالتنمية، لكنها لا تعالج أصل الأزمة، لأن الاستدانة المتراكمة نقلت القرار الاقتصادي إلى حسابات الدائنين وتركت المواطنين أمام غلاء وخدمات متراجعة.
ديون ثقيلة وخطة تبحث عن مساحة تنفس
قال وزير المالية أحمد كجوك إن الحكومة تعمل مع شركاء دوليين ومؤسسات مالية على نماذج مبتكرة لمبادلة الديون، بما يسمح بتحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات في قطاعات ذات أولوية.
وجاءت تصريحات كجوك على هامش زيارة إلى العاصمة البريطانية لندن، حيث روجت الحكومة للفرص الاستثمارية في مصر، وربطت إدارة الدين العام بأهداف التنمية المستدامة والتعليم والصحة وتنمية المهارات البشرية.
لكن الأرقام تجعل الخطاب الحكومي ناقصًا، لأن الدين الخارجي بلغ 163.911 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي 2025 و2026، مقارنة بنحو 163.713 مليار دولار في الربع السابق.
كما ارتفع الدين الخارجي طويل الأجل إلى 129.490 مليار دولار، بينما بلغ الدين قصير الأجل 34.421 مليار دولار، وهو ما يكشف أن الأزمة ليست في جدول السداد فقط بل في بنية اعتماد متواصل على الاقتراض.
وفي هذا المحور، يقول وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع إن مبادلة الديون تمثل مسارًا مهمًا لتخفيف الأعباء، لكنه رهن تأثيرها بحجم الاستثمارات التي سيتم تحويلها فعليًا.
وتخدم ملاحظة جاب الله جوهر النقاش، لأن البرنامج لن يصبح مخرجًا حقيقيًا إذا ظل محدود الحجم مثل تجارب سابقة مع ألمانيا وإيطاليا، بينما تبقى خدمة الدين أكبر من قدرة الموازنة.
وبذلك لا تكفي صياغة مبادلة الديون وحدها، لأن الحكومة تحتاج إلى أرقام واضحة عن حجم الدين الذي سيخرج من جدول السداد، وحجم الاستثمار المنتج الذي سيدخل الاقتصاد بدل البيان الدعائي.
تجارب قديمة محدودة وأصول جديدة تحت الضغط
نفذت مصر برامج سابقة لمبادلة الديون مع ألمانيا وإيطاليا، وذكرت وزارة التعاون الدولي أن قيمة هذه البرامج بلغت 720 مليون دولار لتنفيذ 120 مشروعًا، وهو رقم محدود قياسًا بحجم الدين الخارجي الحالي.
وتتضمن التجارب الأحدث اتفاقًا ألمانيًا بقيمة 54 مليون يورو لاستخدامه في تمويل التحول إلى الطاقة الخضراء، بدل سداد الدين، بما يعكس طبيعة المبادلة كأداة تنموية مشروطة بحجم التمويل.
غير أن الفرق بين 54 مليون يورو ودين خارجي يتجاوز 163 مليار دولار يكشف فجوة واسعة، لأن الحكومة تعرض الأداة كأنها علاج كبير، بينما تؤكد الأرقام أن أثرها سيظل ضيقًا إذا لم تتوسع فعليًا.
وفي السياق نفسه، يشير جاب الله إلى وجود اتفاقيات لمبادلة الديون مع دول عديدة، بينها الصين ودول خليجية مثل الكويت، لكنه يؤكد أن المهم هو التفعيل وحجم الاستثمارات وإرادة جميع الأطراف.
أما الخبير الاقتصادي هاني توفيق فيقدم زاوية أكثر حدة، إذ حذر في سياق أزمة الديون من أن الاقتراض المتزايد يعمق فقاعة الدين إذا ذهب إلى مشروعات غير منتجة لا تخلق تشغيلًا وتصديرًا.
وتدعم هذه الرؤية نقد الخطة الحكومية، لأن مبادلة الدين باستثمار في التعليم والصحة قد تبدو إيجابية، لكنها لا تعوض غياب سياسة إنتاجية توقف الحاجة إلى الاقتراض الجديد بعد كل استحقاق.
كما أن تجربة رأس الحكمة التي يطرحها بعض الخبراء كنموذج لتحويل ودائع إماراتية إلى استثمار تكشف جانبًا حساسًا، لأن خفض الالتزامات جاء عبر أصول وأراض ساحلية لا عبر توسع صناعي مستدام.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي عن نوع الاستثمار لا عن اسم المبادلة، لأن تخفيف الضغط على الدولار لا يستقيم إذا تحولت الديون إلى صفقات أصول، بينما تظل الصناعة والتصدير والتشغيل خارج الأولوية.
الدولار لا يهدأ بمبادلة صغيرة
يقول الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد إن مبادلة المشروعات الاستثمارية بالديون قد تقلل الالتزامات المالية على الحكومة، وتحسن التصنيف الائتماني، وتخفض الضغط على الدولار، وتدعم قيمة الجنيه.
وتكتسب شهادة السيد أهميتها لأنها تربط بين مبادلة الديون وسعر الصرف، لكنها تضع الخطة داخل شرط واضح، وهو أن تكون الاستثمارات كبيرة بما يكفي لتقليل الطلب الفعلي على العملة الصعبة.
ويواجه الجنيه ضغطًا مستمرًا لأن مصر تحتاج إلى سداد أقساط وفوائد ديون خارجية كبيرة، إذ تشير تقديرات منشورة إلى سداد 16.306 مليار دولار في النصف الثاني من 2026 وحده.
كما سبق أن قدرت البيانات سداد 18.205 مليار دولار في النصف الأول من 2026، بما يجعل إجمالي التزامات العام عبئًا مباشرًا على الاحتياطي والبنوك وسوق الصرف والمستوردين.
لذلك تبدو مبادلة الديون أداة لتأجيل جزء من الضغط لا لإلغائه، ما لم تتوقف الحكومة عن إنتاج ديون جديدة عبر عجز متكرر ومشروعات لا تدر عملة أجنبية تكفي لسداد الالتزامات.
وفي ملف الموازنة، يبلغ دين قطاع الموازنة نحو 77.5 مليار دولار وفق وزارة المالية، وهو الجزء الذي تستطيع الحكومة نظريًا التفاوض على تحويل جانب منه إلى استثمارات أو ترتيبات تمويلية.
لكن هذا الجزء نفسه يكشف عمق الأزمة، لأن نصف الدين تقريبًا تتحمله الموازنة العامة، أي إن المواطن يدفع كلفته عبر الضرائب والرسوم وخفض الإنفاق وتآكل الخدمات الأساسية.
وبناء على ذلك، لا يمكن تسويق مبادلة الديون كنجاح مسبق، لأن نجاحها يتطلب شفافية في الأطراف الدائنة، وتقييمًا معلنًا للمشروعات، وضمانات تمنع تحويلها إلى خصخصة مقنعة أو بيع أصول تحت ضغط الدولار.
وفي النهاية، تكشف خطة مبادلة الديون في مصر أن الحكومة تبحث عن مساحة تنفس بعد سنوات من الاقتراض، لكنها لا تقدم حتى الآن ما يثبت أنها أغلقت باب الأزمة الأصلي، وهو اقتصاد يستدين أكثر مما ينتج.

