دفع اعتماد الحكومة المتزايد على استثمارات الدين قصيرة الأجل الدولار مجددا فوق 51 جنيها، كاشفا مرة أخرى هشاشة استقرار العملة حين يقرر المستثمر الأجنبي سحب أمواله بحثا عن ملاذ أكثر أمنا.
وجاء الارتفاع بعد يومين من التراجع، بينما سجل أعلى سعر في مصرف أبوظبي الإسلامي ومصرف قناة السويس 51.01 جنيه للشراء و51.11 جنيه للبيع، في إشارة إلى تجدد الضغط على الجنيه.
نزيف سريع من الديون
وخلال تعاملات الخميس، سجل العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 227 مليون دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي، بعدما بلغت التخارجات 270 مليونا الأربعاء و287.6 مليونا الثلاثاء، وفق بيانات البورصة المتتالية.
وبذلك تجاوزت حصيلة البيع خلال ثلاثة أيام 784 مليون دولار، وهو نزيف سريع يوضح كيف تتحول استثمارات جذبتها الفائدة المرتفعة إلى طلب مفاجئ على الدولار فور تصاعد المخاطر الإقليمية.
كما فقد الجنيه نحو 4.5 بالمئة من قيمته، عقب خروج جزئي للمستثمرين الأجانب من أدوات الدين، بالتزامن مع تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
غير أن التوتر الخارجي لم يصنع الضعف وحده، بل كشف خللا داخليا راكمته حكومة فضلت استدانة سريعة مرتفعة الكلفة على بناء صادرات وإنتاج حقيقي قادرين على توفير نقد أجنبي مستدام.
علاوة على ذلك، يدفع المصريون ثمن هذا النموذج مرتين، أولا عبر فوائد مرتفعة تستنزف الموازنة، ثم عبر غلاء السلع المستوردة كلما هبط الجنيه وارتفعت تكلفة الدولار داخل المصارف أيضا.
وفي المقابل، تراوح أقل سعر لدى ميد بنك عند 50.17 جنيه للشراء و50.27 جنيه للبيع، بما يعكس اتساع الفارق بين المصارف وارتباك التسعير تحت ضغط طلب متجدد في السوق.
وبحسب الخبير الاقتصادي هاني جنينة، فإن استمرار تصاعد الأحداث قد يدفع الدولار إلى تجاوز 55 جنيها، وهو تقدير يربط تدهور الصرف مباشرة باستمرار التخارج وتشديد الضغوط الخارجية خلال الفترة المقبلة.
ومن ثم، لا يبدو اختراق مستوى 51 جنيها حركة يومية عابرة، إذ يتزامن مع مبيعات متتابعة في سوق الدين وتوقعات أشد قتامة لمسار العملة في مصر خلال الأعوام المالية المقبلة.
فائدة مرتفعة واستقرار هش
ويرى محمد أبو باشا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار إي إف جي هيرميس، أن مرونة الصرف تحمي الاحتياطيات وتضمن السيولة، لكنها لا تلغي وحدها كلفة التقلب كاملة.
ومع ذلك، تكشف الوقائع أن صمام الأمان النقدي ينتقل عبؤه إلى المواطن، لأن انخفاض الجنيه يرفع أسعار الوقود والغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج قبل أن تظهر أي مكاسب تصديرية مزعومة.
لذلك، يصبح حديث الحكومة عن ترك السعر للعرض والطلب ناقصا ما دامت موارد العرض تعتمد بدرجة كبيرة على ديون قصيرة الأجل، يمكن لحاملها الرحيل فعليا عند أول صدمة خارجية.
وفوق ذلك، تمنح أسعار الفائدة المرتفعة المستثمر الأجنبي عائدا سخيا، بينما يتحمل الاقتصاد المحلي كلفة تمويل أعلى تكبح المصانع والتوظيف، وتوسع مدفوعات الفوائد على حساب الخدمات العامة الأساسية أيضا.
أما هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، فيرى أن الأموال الساخنة تكون مفيدة فقط إذا مولت خامات إنتاج تعاد عبر صادرات دولارية، لا إذا استهلكتها الموازنة في سد عجز متكرر بصورة أكبر.
وبناء على ذلك، يصبح توجيه التدفقات هو الاختبار الحقيقي، فالدولارات التي تدخل لشراء أذون الخزانة لا تبني طاقة إنتاجية، لكنها تترك وراءها فوائد مستحقة وضغطا عند الخروج في النهاية.
إضافة إلى ذلك، يعيد المشهد تذكير المصريين بخروج نحو 22 مليار دولار خلال 2022، حين تبخرت التدفقات سريعا وانكشفت سوق الصرف أمام نقص حاد في السيولة الأجنبية الفعلية الجديدة.
في الوقت نفسه، لا تمنع زيادة الاحتياطيات الرسمية انتقال الصدمة إلى الأسعار، طالما تظل البلاد محتاجة إلى الدولار لاستيراد الوقود والقمح والدواء ومستلزمات الإنتاج وسداد الالتزامات الخارجية خلال كل أزمة.
توقعات بمزيد من التراجع
ووفقا لتقديرات ستاندرد آند بورز، قد يبلغ الدولار 55 جنيها بنهاية العام المالي الحالي، ثم 60 جنيها بنهاية العام التالي، قبل صعوده إلى 63 جنيها في يونيو 2028.
كذلك تتوقع الوكالة وصوله إلى 66 جنيها في يونيو 2029، ما يعني أن المسار المتوقع لا يتحدث عن تعاف مستدام للجنيه، بل عن انخفاض متواصل تحت مظلة الصرف المرن أيضا.
بيد أن الحكومة تقدم المرونة باعتبارها أداة لاستعادة التنافسية، فيما تكشف التجربة أن خفض قيمة العملة بلا توسع إنتاجي وصادرات أعلى يتحول في مصر إلى موجات تضخم تنتزع القدرة الشرائية للمواطنين.
وعليه، لا تكمن الأزمة في رقم 51 جنيها وحده، وإنما في نموذج اقتصادي يطلب الدولار لتمويل الواردات والديون أسرع مما ينتجه عبر الصناعة والتصدير والاستثمارات طويلة الأجل المباشرة.
إلى جانب ذلك، يضاعف إغلاق مضيق هرمز المحتمل الضغوط عبر زيادة أسعار النفط والشحن والتأمين، وهي تكاليف تصيب مصر كمستورد للطاقة وسوق تعتمد على نقل السلع من الخارج بصورة دائمة.
لهذا، تظل أي مكاسب مؤقتة للجنيه قابلة للتبدد إذا لم تتراجع فجوة النقد الأجنبي، لأن الأموال الساخنة لا تقدم ضمانا للاستقرار، بل تمنح السوق هدنة وقتية مرتبطة بقرار المستثمر وحده.
وأخيرا، يعري صعود الدولار مجددا فشل الرهان على الاقتراض قصير الأجل، ويضع الحكومة أمام خيار واضح، إما تحويل الموارد نحو الإنتاج والتصدير، أو إبقاء المصريين رهائن لتقلبات المستثمرين والدولار الأمريكي.

