كشفت منظمة سياج لحماية الطفولة في اليمن عن أرقام صادمة تخص 21.5 مليون طفل يواجهون مخاطر متصاعدة بفعل النزاع المسلح، مؤكدة أن الأطفال باتوا في قلب أزمة ممتدة تهدد حقهم في الحياة والتعليم والحماية.

 

وحذرت المنظمة، خلال حلقة نقاشية نظمتها مؤسسة القسطاس للعدالة والحقوق بالتعاون مع منصة أطفال اليمن، من أن الانتهاكات ضد الأطفال لم تعد حوادث متفرقة، بل أصبحت نمطا واسعا يضرب الأسرة والمدرسة والهوية القانونية، ويفتح الباب أمام التجنيد والاستغلال وزواج القاصرات.

 

انهيار الحماية يدفع الأطفال إلى دائرة الخطر

 

قال رئيس منظمة سياج أحمد القرشي إن وضع الأطفال في اليمن بلغ مستويات غير مسبوقة من التدهور، مشيرا إلى أن سنوات الحرب الطويلة أدت إلى تفكيك منظومة الحماية الاجتماعية والتعليمية في أغلب المحافظات.

 

وأضاف القرشي أن الأطفال لا يواجهون فقط آثار الفقر والجوع والنزوح، بل يتعرضون لانتهاكات مباشرة تشمل الحرمان من التعليم، وفقدان الوثائق الرسمية، والزج بهم في مسارات العنف والاستغلال، وسط عجز واضح عن توفير حماية فعالة.

 

وتؤكد بيانات المنظمة أن الأزمة تجاوزت حدود الاحتياج الإنساني التقليدي، لأن ملايين الأطفال يعيشون بلا ضمانات حقيقية تمنع سقوطهم في دوائر التجنيد أو الاتجار أو الزواج المبكر أو الانقطاع الدائم عن التعليم.

 

وفي هذا السياق، تبدو أزمة شهادات الميلاد واحدة من أخطر حلقات الانهيار، إذ يواجه 47% من الأطفال النازحين من مناطق سيطرة الحوثيين حرمانا من الأوراق الثبوتية الرسمية، بما يجعلهم خارج مظلة الخدمات والحقوق.

 

ويؤدي غياب الوثائق إلى حرمان الطفل من التعليم والرعاية الصحية والتنقل الآمن، كما يسهل استغلاله في التجنيد والعمل القسري والاتجار بالبشر، لأن الطفل غير المسجل يصبح أقل قدرة على إثبات عمره وهويته وحقوقه.

 

زواج القاصرات والتعليم.. جيل يدفع ثمن الفقر والحرب

 

تنتشر ظاهرة زواج القاصرات في المناطق الريفية اليمنية بمعدلات مرتفعة للغاية، حيث وصلت النسبة إلى 80% خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفق بيانات منظمة سياج، في مؤشر يعكس عمق الانهيار المعيشي داخل الأسر.

 

وترجع المنظمة هذا التصاعد إلى الفقر المدقع وانعدام الأمن وتراجع قدرة الأسر على إعالة أطفالها، ما يدفع بعض العائلات إلى تزويج الفتيات مبكرا باعتباره مخرجا اقتصاديا قاسيا، رغم آثاره الصحية والنفسية والاجتماعية الخطيرة.

 

ويشكل زواج القاصرات تهديدا مباشرا لمستقبل الفتيات، لأنه يقطع مسار التعليم، ويرفع احتمالات الحمل المبكر، ويزيد هشاشة الفتاة أمام العنف الأسري، ويضعف فرصها في المشاركة الاقتصادية والاجتماعية مستقبلا.

 

وبالتوازي مع ذلك، تؤكد الإحصائيات أن طفلا واحدا من بين كل أربعة أطفال بات خارج المنظومة التعليمية الرسمية في اليمن، وهو رقم يعكس حجم الفجوة التي خلفتها الحرب في المدارس والمناهج والبنية التعليمية.

 

ويعني هذا الواقع أن اليمن لا يفقد عاما دراسيا عابرا، بل يخسر جيلا كاملا تتراجع فرصه في التعلم والعمل والاستقرار، بينما تكبر الفجوة بين الأطفال الذين ما زالوا داخل المدرسة ومن تركوا التعليم دون أمل قريب في العودة.

 

ويزيد النزوح من تعقيد الأزمة، لأن الطفل النازح يفقد بيئته ومدرسته وأوراقه أحيانا، ثم يجد نفسه أمام واقع جديد لا يوفر مقعدا دراسيا ولا حماية قانونية ولا دخلا مستقرا لأسرته.

 

المراكز الصيفية والتجنيد.. خطر منظم يهدد مستقبل اليمن

 

حذرت منظمة سياج من الآثار الكارثية للمراكز الصيفية التي تديرها جماعة الحوثي، مؤكدة أنها تحولت إلى بيئات مقلقة تستخدم في التعبئة والتجنيد، بما يضع الأطفال داخل مسارات عسكرية بدلا من التعليم والرعاية.

 

واعترفت جماعة الحوثي، وفق ما أوردته المنظمة، باستيعاب مليون و500 ألف طفل وطفلة في 9100 مركز صيفي داخل مناطق سيطرتها، وهو رقم يثير قلقا واسعا بشأن طبيعة البرامج المقدمة للأطفال داخل هذه المراكز.

 

وتشير المنظمة إلى أن هذه المراكز خرجت دفعات ذات طابع عسكري، من بينها 4000 طفل من محافظة تعز وحدها، بما يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية التي تحظر استخدام الأطفال في النزاعات المسلحة.

 

وتتضاعف خطورة هذه الممارسات لأنها لا تقتصر على تدريب عابر، بل تزرع ثقافة الحرب داخل وعي الأطفال، وتنتزعهم من بيئتهم التعليمية، وتدفعهم إلى ساحات صراع لا يملكون القدرة على فهم تبعاتها أو رفضها.

 

كما وثقت تقارير دولية، بينها تقارير مرتبطة بفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، تحول بعض البيئات الخاضعة لسلطة النزاع إلى مساحات للتجنيد والاستغلال والتعذيب الممنهج، وهي ممارسات تندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال.

 

وترى منظمات حقوقية أن تجنيد القصر واستخدامهم في النزاعات قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ما يفرض فتح مسارات محاسبة جدية تضمن عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب.

 

وطالبت منظمة سياج المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، عبر تخصيص موارد عاجلة لمكافحة تجنيد القصر، ودعم التعليم، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للأطفال المتضررين من الحرب.

 

ويظل إنقاذ أطفال اليمن اختبارا حقيقيا لكل الأطراف المحلية والدولية، لأن استمرار الصمت يعني ترك 21.5 مليون طفل أمام مستقبل مشوه، تصنعه الحرب والفقر والتجنيد وزواج القاصرات، بدلا من المدرسة والأسرة والحماية والحياة الكريمة.