أعلنت حكومة الانقلاب بدء التحول إلى منظومة الدعم النقدي المشروط مع مطلع العام المالي المقبل في يوليو 2026، بمتوسط يتراوح بين 300 و350 جنيهًا للفرد شهريًا، بدلًا من الدعم العيني للخبز والسلع.
ويأتي القرار بينما يعتمد ملايين المواطنين على بطاقات التموين ورغيف الخبز كخط دفاع يومي أمام الغلاء، ما يحول خطة الحكومة من إجراء إداري إلى مساس مباشر بسلة الغذاء الأساسية للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل.
محفظة تموينية بدل الدعم السلعي
وبحسب التصور الحكومي، لن يحصل المواطن على أموال سائلة، بل ستنشئ الحكومة محفظة سلعية مالية يتم شحنها إلكترونيًا عبر البطاقات التموينية الذكية، بحيث تتحول قيمة الدعم إلى رصيد مخصص للشراء فقط.
كما تمنح الحكومة المواطن حرية شراء السلع التي يفضلها من داخل المنظومة، بدلًا من الحصص التقليدية المحدودة، مع توسيع القائمة إلى نحو 30 سلعة تشمل الزيت والسكر واللحوم والدواجن والبروتينات المختلفة.
وتمنح الخطة كل فرد قيمة تقديرية بين 300 و350 جنيهًا شهريًا، وهي قيمة تقول الحكومة إنها تضم القيمة الاسمية الحالية للدعم، مضافًا إليها التكلفة الفعلية وفروق الأسعار التي تتحملها الدولة في الخبز والسلع.
غير أن هذه الصياغة تفتح بابًا واسعًا للقلق، لأن تحويل الدعم إلى رقم مالي ثابت يجعل قوته الشرائية مرهونة بأسعار السوق، بينما كانت السلعة المدعومة توفر حماية مباشرة للمواطن من تغيرات السعر اليومية.
وقال الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد، إنه ليس ضد الدعم النقدي كمبدأ، لكنه يرفض التحول إليه في ظروف مصر الحالية دون تدابير واضحة تحمي الفقراء من تآكل القيمة.
وبذلك يصبح جوهر الخلاف في توقيت القرار لا في اسمه، لأن الحكومة تطرح التحول بينما تتحرك أسعار الغذاء والخدمات بسرعة أعلى من قدرة أي محفظة محددة مسبقًا على حماية الأسر.
الخبز يدخل حساب البطاقة
وداخل منظومة الخبز، تقترح الحكومة دمج الرغيف والسلع داخل رصيد واحد، بحيث تدخل التكلفة الفعلية للرغيف التي قد تزيد عن 150 قرشًا ضمن الحساب الشهري للبطاقة التموينية.
ويمد هذا السيناريو نظام فارق النقاط بصورة جديدة، لأن المواطن الذي يرشد استهلاك الخبز سيحصل على القيمة الفعلية للفارق لشراء سلع أخرى، بدلًا من النظام الحالي الذي يمنحه 10 قروش فقط عن كل رغيف موفر.
وفي المقابل، تعلن الحكومة تثبيت سعر رغيف الخبز التمويني عند 20 قرشًا للمواطن داخل المنظومة، مع استمرار تحمل الدولة فرق تكلفة الإنتاج والقمح الحر، بما يمنع التلاعب ويحافظ على شبكة الصرف الحالية.
ومن المقرر أن تستمر 30 ألف مخبز بلدي و35 ألف بقال تمويني والمجمعات الاستهلاكية في العمل، مع فتح المنظومة أمام سلاسل تجارية كبرى، بما ينقل جزءًا من سوق الدعم إلى منافسة تجارية أوسع.
ويخشى منتقدون أن يؤدي دخول السلاسل الكبرى إلى تغيير طبيعة الدعم من ضمان غذائي مباشر إلى رصيد استهلاكي قابل للنفاد، لأن الأسرة ستواجه أسعارًا متحركة داخل سوق لا تسيطر عليه الدولة بالكامل.
ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الحكومة ستضطر إلى خفض عدد المستحقين للدعم مع تطبيق النظام النقدي، في إشارة إلى أن جوهر الخطة يرتبط بتخفيف العبء المالي لا فقط بإصلاح التوزيع.
تنقية البطاقات تهدد ملايين المستفيدين
وتكشف التسريبات المرتبطة بالخطة أن وزارة التموين تجهز لتنقية قواعد البيانات وفق معايير جديدة، تشمل امتلاك سيارات فارهة أو عقارات داخل كمبوندات أو حيازات زراعية وتجارية واسعة.
ومع تطبيق هذه المعايير، قد تستبعد الحكومة بين 10 و12 مليون مواطن من المنظومة، لينخفض عدد المستفيدين إلى نحو 58 مليون مواطن، مع فتح باب التظلمات لتقليل آثار الحذف الخاطئ.
وتضع الحكومة محافظة بورسعيد كبداية تجريبية للتطبيق، حتى تقيس النتائج التشغيلية والمجتمعية قبل التوسع في باقي المحافظات، غير أن التجربة لن تمنع القلق إذا بقيت معايير الاستبعاد غير معلنة بوضوح.
ويؤكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن برامج الدعم العيني تلعب دورًا أساسيًا في تخفيف الفقر، وأن بطاقات التموين خفضت معدلات الفقر بنسبة تزيد عن 10%، بينما يهدد الدعم النقدي هذه الفعالية مع التضخم.
ويوضح الميرغني أن إلغاء الدعم العيني لن يعالج عجز الموازنة، بل سيزيد معاناة الفقراء، لأن الأزمة لا تكمن في رغيف الخبز وحده، بل في أولويات الإنفاق العام وتضخم خدمة الدين.
ومن جهته، يحذر الخبير الاقتصادي أحمد خزيم من أن الدعم النقدي سيتآكل مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار، معتبرًا أن تحويل الدعم إلى مبلغ مالي محدود يضيف عبئًا جديدًا على الطبقة الفقيرة والمتوسطة.
ويحذر خزيم أيضًا من أن جيب المواطن تحول إلى هدف دائم للسياسات المالية، بينما تلتهم خدمة الدين جانبًا كبيرًا من الإيرادات العامة، في وقت تبحث الحكومة عن وفر داخل منظومة الغذاء الأساسية.
لذلك تبدو خطة الـ350 جنيهًا للفرد أكثر من تعديل فني في بطاقة التموين، لأنها تعيد تعريف علاقة المواطن بالخبز والسلع، وتنقل الدعم من ضمان عيني ملموس إلى رقم شهري قابل للتآكل.
وفي النهاية، لا تكمن خطورة التحول في اسم الدعم النقدي وحده، بل في حذف ملايين المستفيدين وتحرير الاختيار داخل سوق مرتفعة الأسعار، بما يجعل الرغيف والسلعة الأساسية تحت رحمة التضخم والقرارات اللاحقة.

