كشفت مؤشرات رسمية ودولية فجوة واسعة في تشغيل النساء في مصر، رغم ارتفاع مستويات التعليم بين الخريجات، إذ بلغ معدل بطالة النساء نحو 14.3% مقابل 3.6% للذكور، بما يعكس خللا هيكليا في سوق العمل الرسمي.
وتضع هذه الفجوة آلاف الخريجات أمام معادلة قاسية، لأن الدولة توسع خطابها عن تمكين المرأة، بينما يظل العمل الرسمي مكلفا وضعيف العائد ومثقلا بفجوة الأجور والرعاية غير المدفوعة وغياب خدمات الطفولة المناسبة.
تعليم مرتفع وسوق عمل مغلق أمام الخريجات
تظهر المؤشرات التعليمية أن المرأة المصرية حققت تقدما واضحا في التعليم الجامعي، إذ تمثل النساء نسبة كبيرة من خريجي الجامعات وتقترب من نصف خريجي التخصصات العلمية والهندسية.
لكن هذا التقدم لا يظهر بنفس القوة في سوق العمل، لأن معدلات البطالة بين النساء ما زالت أعلى بكثير من الرجال، رغم امتلاك كثير من الخريجات مؤهلات جامعية ومهارات قابلة للتشغيل.
وتكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن بطالة النساء بلغت 14.3% مقابل 3.6% بين الذكور، وهو فارق يقترب من 4 أضعاف ويعكس خللا أعمق من نقص فرص العمل العامة.
كما تمثل النساء نحو 36.3% من الفئة العمرية بين 15 و24 عاما غير المنخرطة في التعليم أو العمل أو التدريب، مقابل 14.9% بين الذكور داخل نفس المرحلة العمرية.
وتعني هذه الأرقام أن الفتاة التي تصل إلى الجامعة لا تحصل بالضرورة على طريق واضح إلى العمل، لأن سوق التشغيل يعيد فرز الخريجين على أساس النوع والمرونة الاجتماعية وتكلفة الانتقال.
وفي هذا السياق، تخدم قراءة أستاذة السياسات العامة غادة برصوم محور أزمة الخريجات، إذ درست أزمة تشغيل الخريجات في مصر وربطتها بجودة الوظائف وشروط السوق لا بمجرد نقص التعليم.
وتوضح دراسة برصوم أن سوق العمل يميل إلى تفضيل خريجين يملكون لغة ومهارات وشبكات اجتماعية مرتبطة بالطبقات الأعلى، وهو ما يضع خريجات كثيرات خارج المنافسة العادلة على الوظائف الجيدة.
وبذلك لا تكمن المشكلة في التعليم وحده، لأن حصول النساء على شهادات جامعية لا يكسر تلقائيا أبواب سوق رسمي يطلب ساعات طويلة وانتقالات مكلفة وأجورا لا تكفي للاستقلال.
كما أن القطاع الخاص لا يوفر غالبا بيئة آمنة ومستقرة بما يكفي لاستمرار النساء، خصوصا عندما تغيب عقود واضحة، وتضعف الحماية من التمييز، وتتراجع فرص الترقي بعد الزواج أو الإنجاب.
ومن هنا يظهر أصل الأزمة في فجوة بين مخرجات التعليم وشروط العمل، إذ تنتج الجامعات خريجات مؤهلات، بينما يستقبل السوق النساء بعقبات تجعل الخروج من العمل أكثر احتمالا من الاستمرار فيه.
فجوة أجور تجعل العمل الرسمي خاسرا
تشير تقارير دولية إلى أن فجوة الأجور تمثل أحد أهم العوائق أمام اندماج النساء في سوق العمل الرسمي، لأن انخفاض عائد العمل يضعف حافز الخريجات على تحمل تكاليفه.
وتذهب بعض التقديرات إلى وجود فجوة كبيرة في الأجور لصالح الذكور داخل قطاعات رسمية، بما يحول الوظيفة بالنسبة لنساء كثيرات إلى دخل لا يغطي أحيانا الانتقال والرعاية والالتزامات اليومية.
ويزداد الخلل عندما تقارن الخريجة بين راتبها المتوقع وبين تكلفة المواصلات والملابس والعمل لساعات طويلة والاستقطاعات التأمينية والضريبية، فتكتشف أن المكسب الصافي لا يساوي الجهد المبذول.
كما يؤثر تراجع القوة الشرائية للأجور على قرار النساء، لأن الأجر المنخفض في ظل التضخم لا يمنح الخريجة استقلالا اقتصاديا حقيقيا، ولا يعوض الأسرة عن غيابها لساعات طويلة.
وتخدم قراءة الباحثة الاقتصادية كارولين كرافت محور فجوة التشغيل، إذ تناولت تراجع معدلات تشغيل النساء في مصر رغم ارتفاع التعليم، وربطت ذلك بطبيعة الوظائف وتفضيلات النساء والقيود الاجتماعية.
وتكشف هذه القراءة أن المشكلة ليست رغبة النساء في البقاء خارج العمل، بل أن الوظائف المتاحة غالبا لا تقدم شروطا مناسبة من حيث الأجر والاستقرار والقرب الجغرافي والأمان.
كذلك يدفع ضعف الأجر شريحة من الخريجات إلى العمل خارج الإطار الرسمي، حيث تظهر أعمال منزلية أو رقمية أو غير منتظمة لا تدخل دائما في القياس الإحصائي التقليدي.
وبسبب ذلك، يصبح قياس مشاركة النساء الاقتصادية أقل دقة، لأن جزءا من العمل الفعلي يظل مخفيا داخل السوق غير الرسمي أو داخل مشروعات صغيرة لا توفر تأمينا أو حماية قانونية.
وتؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن النساء في مصر أقل مشاركة في سوق العمل وأكثر تعرضا للوظائف الأقل جودة، مع استمرار أعباء الرعاية المنزلية كقيد أساسي على التشغيل.
كما يوضح تقرير المنظمة أن نمو التشغيل والطلب على العمالة لم يواكب زيادة السكان في سن العمل ولا ارتفاع تعليم النساء، بما يترك الخريجات أمام سوق ضيق لا يستوعب طاقتهن.
ولهذا يصبح الحديث الرسمي عن تمكين المرأة ناقصا عندما لا يتعامل مع الأجر كقضية مركزية، لأن المساواة لا تتحقق بإعلان الوظائف فقط بل بعدالة العائد واستقرار شروط العمل.
رعاية الأطفال والعبء المنزلي يطردان النساء من العمل
وتتحمل النساء في مصر جانبا ضخما من أعمال الرعاية غير المدفوعة داخل الأسرة، وهي أعمال تشمل تربية الأطفال ورعاية كبار السن وإدارة المنزل دون أجر أو اعتراف اقتصادي كاف.
وتشير تقديرات حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن النساء في مصر يقضين 5.4 ساعات يوميا في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 0.6 ساعة فقط للرجال.
ويعني هذا الفارق أن المرأة تبدأ يوم العمل الرسمي وهي تحمل وظيفة منزلية كاملة، بينما يدخل الرجل غالبا سوق العمل دون نفس العبء اليومي المتكرر داخل البيت.
وتخدم قراءة عالمة الاجتماع رانيا سالم محور قياس عمل النساء، إذ شاركت في أبحاث تؤكد أن تعريف العمل الضيق يخفي جانبا من مساهمة النساء الاقتصادية، خصوصا في الريف والأعمال الأسرية.
وتكشف هذه الرؤية أن المرأة قد تعمل فعليا داخل الأسرة أو السوق غير الرسمي، لكن هذا العمل لا يظهر دائما في بيانات التشغيل، ولا يمنحها دخلا مستقلا أو حماية اجتماعية.
كما تمثل محدودية خدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة عقبة مباشرة أمام الخريجات، لأن الأم الشابة تحتاج إلى حضانة قريبة وآمنة وميسورة حتى تستطيع الاستمرار في وظيفة رسمية.
وعندما ترتفع تكلفة الحضانة والمواصلات، تصبح الوظيفة منخفضة الأجر عبئا لا فرصة، لأن الأسرة تخصم من دخل المرأة تكلفة رعاية الأطفال والانتقال قبل حساب أي مكسب حقيقي.
وتؤكد تقارير البنك الدولي أن دعم رعاية الأطفال وخدمات التشغيل يمكن أن يساعد النساء، لكنه لا يكفي وحده إذا بقيت الوظائف غير ملائمة أو بعيدة أو ضعيفة العائد.
وبالتالي، لا يمكن اختزال أزمة الخريجات في نقص مهارة أو غياب تدريب، لأن جذورها تمتد إلى بنية الرعاية داخل المجتمع، وسياسات الأجر، وغياب بيئة عمل تراعي مسؤوليات الأسرة.
كما أن بيئة العمل الرسمية لا تزال أقل مرونة تجاه النساء، خصوصا في ساعات العمل الطويلة ونقص العمل الجزئي المنظم وضعف الحماية من التمييز بعد الزواج والإنجاب.
وتتفاقم الأزمة عندما تفشل الحكومة في تحويل الحماية الاجتماعية إلى بنية دعم يومية، لأن حضانات العمل والمواصلات الآمنة وسياسات الأجر العادل ليست مزايا إضافية بل شروط تشغيل حقيقية.
ومن دون هذه الشروط، ستظل الخريجات يدفعن ثمن فجوة لا يصنعنها وحدهن، حيث تذهب سنوات التعليم إلى انتظار وظيفة مناسبة أو قبول عمل غير رسمي بلا تأمين.
وتحتاج معالجة أصل المشكلة إلى خطة تشغيل نسائية واضحة تبدأ بمراجعة فجوة الأجور، وتوسيع خدمات الطفولة، وإلزام جهات العمل بسياسات عدم التمييز، وتطوير وظائف قريبة وآمنة ومستقرة.
كما تحتاج الدولة إلى الاعتراف بأن سوق العمل الرسمي لا يجذب النساء تلقائيا، لأن الخريجة تقارن بين عائد الوظيفة وكلفتها الاجتماعية والمالية قبل أن تقرر الدخول أو البقاء.
ولا يكفي أن تعلن الحكومة أرقام التعليم الجامعي للنساء كدليل نجاح، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التخرج، عندما تبحث الخريجة عن وظيفة لا تعاقبها على كونها امرأة.
وفي النهاية، تكشف فجوة بطالة النساء أن مصر لا تواجه مشكلة تعليم، بل تواجه سوق عمل يبدد استثمار الأسر في تعليم البنات، ويدفع الخريجات إلى البطالة أو العمل غير الرسمي أو الخروج الكامل من النشاط الاقتصادي.
وتبقى الخلاصة أن تمكين المرأة لن يتحقق بخطابات موسمية، بل بإصلاحات تضرب أصل الأزمة: أجر عادل، رعاية أطفال متاحة، نقل آمن، حماية من التمييز، وسوق رسمي يرى الخريجة عاملة كاملة الحقوق لا عبئا اجتماعيا.

