تحولت موجة تراجع أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة من مجرد تصحيح طبيعي في الأسواق العالمية إلى أزمة تؤرق آلاف المصريين الذين لجؤوا إلى المعدن الأصفر باعتباره الحصن الأخير لحماية مدخراتهم من التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة. فبعد فترة قصيرة من تسجيل مستويات قياسية دفعت الكثيرين إلى الشراء أملًا في الحفاظ على قيمة أموالهم، وجد هؤلاء أنفسهم أمام خسائر ملموسة فرضت تساؤلات صعبة حول مستقبل استثماراتهم ومدخراتهم.
تراجعات حادة تمحو جزءًا من المكاسب
شهدت السوق المصرية انخفاضًا ملحوظًا في أسعار الذهب، حيث استقر سعر غرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا بين المصريين، عند نحو 6095 جنيهًا، مقارنة بمستويات قاربت 7500 جنيه للغرام خلال ذروة الارتفاعات التي سجلتها الأسواق مطلع العام الجاري.
كما تراجع سعر الجنيه الذهب إلى نحو 48 ألفًا و760 جنيهًا، بعدما تجاوز حاجز 60 ألف جنيه خلال شهر يناير الماضي. وتشير تقديرات السوق إلى أن المشترين عند القمم السعرية تكبدوا خسائر تقترب من 1405 جنيهات في الغرام الواحد، أي ما يعادل نحو 20% من قيمة استثماراتهم، الأمر الذي وضع كثيرًا من المدخرين أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إما الاحتفاظ بالذهب انتظارًا لتعافي الأسعار، أو البيع وتحمل خسائر فعلية.
مدخرات الأسر تحت ضغط الخسائر
لم تقتصر آثار الهبوط على المؤشرات والأرقام، بل امتدت إلى آلاف الأسر التي حولت جزءًا من مدخراتها إلى ذهب خلال موجة الصعود السابقة.
فالحاج متولي، وهو موظف متقاعد، قرر في بداية العام تحويل مكافأة نهاية خدمته إلى سبائك ذهبية اعتقادًا بأنها الوسيلة الأكثر أمانًا للحفاظ على قيمة أمواله في مواجهة التضخم. إلا أن التراجع السريع للأسعار أوقعه في خسائر غير متوقعة، دفعته إلى تأجيل قرار البيع على أمل استعادة جزء من القيمة المفقودة مستقبلًا.
وتتكرر القصة نفسها بين أوساط الشباب المقبلين على الزواج، الذين اندفعوا إلى شراء الذهب خلال فترات الارتفاع خشية استمرار الصعود، قبل أن يفاجأوا بانخفاضات حادة قلّصت القيمة السوقية لما يمتلكونه.
وفي سوق الصاغة بمدينة الإسكندرية، تقول أم ممدوح إنها اشترت ذهبًا لابنتها خلال ذروة الأسعار مطلع العام الجاري، لكنها فوجئت بانخفاض قيمته عندما فكرت في بيعه للمساهمة في استكمال تجهيزات الزواج. وتؤكد أن الأسرة كانت تتوقع استمرار ارتفاع الأسعار، غير أن التراجع المفاجئ جعل قرار البيع أكثر صعوبة في ظل الخسائر الحالية.
ركود يخيّم على أسواق الذهب
لم تتوقف تداعيات التراجع عند حدود المدخرين، بل انعكست أيضًا على النشاط التجاري داخل سوق الذهب، حيث دخلت حركة البيع والشراء في حالة من الركود النسبي نتيجة إحجام كثير من المالكين عن البيع بخسارة، مقابل تردد المشترين في اتخاذ قرارات جديدة انتظارًا لمزيد من الانخفاضات.
ويشير جرجس روماني، صاحب ورشة لصناعة المشغولات الذهبية في الإسكندرية، إلى أن حالة الحذر تسيطر على السوق منذ أسابيع، موضحًا أن الانخفاض المفاجئ للأسعار تسبب في حالة من الجمود أثرت على مختلف حلقات النشاط التجاري.
وأضاف أن عددًا من الورش اضطر إلى تقليص ساعات العمل أو خفض حجم الإنتاج بسبب تراجع الطلب على المشغولات الجديدة، في وقت يفضّل فيه العملاء تأجيل قرارات الشراء لحين اتضاح اتجاهات السوق.
من جانبه، يرى نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية لطفي منيب أن ما تشهده السوق المحلية هو انعكاس مباشر للتراجعات التي سجلتها أسعار الذهب عالميًا خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن المعدن النفيس فقد جزءًا من مكاسبه السابقة مع صعود الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية، ما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو أدوات استثمارية أخرى. ورغم ذلك، يؤكد منيب أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأداة ادخار طويلة الأجل ومخزن للقيمة، مشيرًا إلى أن تقييم الاستثمار فيه ينبغي أن يكون على مدى سنوات وليس وفق التحركات قصيرة الأجل.
الأنظار تتجه إلى الفيدرالي الأميركي
في المقابل، يؤكد المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" سعيد إمبابي أن السوق تمر حاليًا بمرحلة ترقب حاسمة ترتبط بالتطورات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها السياسة النقدية الأميركية.
ويشير إلى أن النشاط التجاري داخل سوق الذهب تراجع بصورة واضحة خلال الأيام الأخيرة، في ظل انتظار المستثمرين والمتعاملين للبيانات الاقتصادية الأميركية وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الخاصة بأسعار الفائدة.
ويضيف أن أسعار الذهب تتأثر حاليًا بمجموعة من العوامل المتشابكة، تشمل قوة الدولار، ومستويات التضخم العالمية، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، إضافة إلى توجهات السياسة النقدية الأميركية، ما يجعل مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة مفتوحًا على عدة سيناريوهات.
ويرجح إمبابي استمرار تداول عيار 21 بالقرب من مستوى 6100 جنيه خلال الفترة الحالية، ما لم تطرأ متغيرات جوهرية على الأسواق العالمية، مؤكدًا أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي ستظل العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الذهب خلال النصف الثاني من العام.
الخاتمة
بين خسائر المدخرين، وحالة الركود التي تضرب أسواق الصاغة، وترقب المستثمرين لما ستسفر عنه القرارات الاقتصادية العالمية، يعيش الذهب في مصر مرحلة دقيقة من عدم اليقين. وبينما يراهن البعض على عودة المعدن الأصفر إلى مسار الصعود واستعادة جزء من خسائره، يواجه آلاف المصريين واقعًا أكثر تعقيدًا، بعدما تحولت الأداة التي اعتبروها ملاذًا آمنًا إلى مصدر جديد للقلق بشأن مستقبل مدخراتهم وأحلامهم المالية.

