كشفت حملات رقابية في محافظتي القليوبية وأسيوط، في مصر خلال شهر يونيو الجاري، ضبط مادة ثاني أكسيد التيتانيوم داخل محال عصير قصب، بعد استخدامها في غش العصير ومنحه لونا أبيض غير طبيعي، بما أثار مخاوف صحية واسعة.

 

وتضع الواقعة أجهزة الرقابة الغذائية أمام اختبار مباشر، لأن المشروب الشعبي الذي يصل إلى المواطنين دون تعبئة أو بيانات مكونات تحول إلى منفذ مكشوف للغش، بينما يدفع المستهلك ثمن ضعف المتابعة اليومية على محال الأغذية.

 

غش عصير القصب ينتقل من القليوبية إلى أسيوط

 

بدأت الأزمة بعد إعلان الأجهزة الرقابية بمحافظة القليوبية ضبط كمية من مادة ثاني أكسيد التيتانيوم داخل محل عصير قصب بمركز طوخ، بعدما استخدمها القائمون على المحل لإكساب العصير لونا أبيض أكثر جاذبية.

 

ثم توسعت المخاوف بعد تكرار الواقعة في محافظة أسيوط، حيث ضبطت المادة نفسها داخل أحد محال بيع عصير القصب، بما كشف أن القضية لا تخص محلا منفردا أو مخالفة عابرة في محافظة واحدة.

 

وبحسب بيانات الحملات الرقابية، تحفظت اللجان المشتركة على المضبوطات، وحررت محاضر رسمية بالوقائع، ثم أحالت الملفات إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وردع المتلاعبين بصحة المواطنين.

 

وتكمن خطورة الواقعة في أن عصير القصب يقدم للمستهلك مباشرة بعد العصر، دون قائمة مكونات أو بطاقة بيانات أو عملية تصنيع مغلقة، وهو ما يجعل أي مادة مضافة غير مرئية بالنسبة للمواطن.

 

كما أن لون العصير أصبح جزءا من خداع المستهلك، لأن بعض البائعين يستخدمون ثاني أكسيد التيتانيوم لمنع تغير اللون الناتج عن التأكسد، وإظهار العصير في صورة بيضاء توحي بالنقاء والجودة.

 

في هذا السياق، يخدم تصريح حسين عبدالرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين، محور انتشار الممارسة، بعدما أشار إلى أن محلات كثيرة تستخدم هذه المادة منذ فترات طويلة دون انتباه كاف من المواطنين والجهات المعنية.

 

وأضاف أبو صدام أن المادة تمنع تأكسد العصير وتغير لونه عند تعرضه للهواء، لكنه أكد أن زيادة الكميات تجعل اللون أبيض وتؤثر على الصحة العامة، داعيا إلى نظرة رقابية مختلفة لمحال القصب.

 

لذلك تكشف الواقعة خللا في سوق الأغذية السريعة، لأن المستهلك لا يملك وسيلة للتحقق من سلامة العصير، بينما يستطيع البائع تغيير مظهر المنتج بمادة كيميائية دون إعلان أو رقابة لحظية.

 

تيتانيوم في كوب شعبي ومخاطر لا تظهر فورا

 

أوضحت الدكتورة أميرة إمام، مدرس الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية بكلية الطب جامعة دمياط، أن ثاني أكسيد التيتانيوم لا يدخل في عصير القصب فقط، بل يستخدم في منتجات ومصنعات مختلفة.

 

لكن أميرة إمام حذرت من استخدامه في الأغذية، لأن المخاوف الصحية لا ترتبط بالضرورة بتأثير فوري بعد التناول، بل بتراكم محتمل للآثار داخل الجسم مع التعرض المتكرر على المدى الطويل.

 

وأشارت إلى أن المادة قد تؤثر على الأمعاء والجهاز الهضمي، وقد تسبب التهابات مزمنة مع الاستهلاك المتكرر، كما توجد مخاوف من ارتباطها بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة بينها سرطان القولون.

 

ومن الناحية العلمية، تتصاعد المخاوف لأن بعض الدراسات أشارت إلى احتمال تأثير جسيمات ثاني أكسيد التيتانيوم على الخلايا والمادة الوراثية، وهو ما دفع جهات رقابية دولية إلى إعادة تقييم سلامته.

 

ولهذا تخدم شهادة أميرة إمام محور الخطر الصحي، لأنها تنقل النقاش من لون العصير وشكله إلى أثر التناول المتكرر على الجهاز الهضمي والخلايا، خصوصا عندما لا يعرف المستهلك أنه يتعرض للمادة.

 

كما أن استخدام المادة في محال عصير الشارع لا يخضع لضوابط صناعية أو نسب معلنة، إذ لا توجد معايرة دقيقة، ولا بطاقة مكونات، ولا سجل إنتاج يسمح بتتبع الكمية التي دخلت في كل كوب.

 

وفي المقابل، كشف إسلام الجزار، المتحدث باسم جهاز حماية المستهلك، أن المادة المضبوطة خطرة جدا وغير مصرح بتداولها أو استخدامها من الباعة الجائلين أو المنشآت الغذائية غير المؤهلة.

 

وزاد الجزار خطورة الواقعة عندما قال إن الشحنات المضبوطة تبين أنها منتهية الصلاحية وغير صالحة للاستخدام الآدمي، وهو ما يحول الغش من مخالفة لون ومظهر إلى خطر مباشر على الصحة العامة.

 

كما أشار إلى أن بعض البائعين يسكبون كميات كبيرة وعشوائية دون معايرة أو معرفة بمدى السمية، بينما تستخدم المادة صناعيا في قطاعات محددة بنسب ضئيلة للغاية وتحت رقابة فنية مختلفة.

 

ومن هنا يصبح الحديث عن النسب الصناعية غير كاف لتبرير وجودها في عصير القصب، لأن الأزمة ليست في اسم المادة وحده، بل في المكان غير المؤهل والكمية العشوائية وانتهاء الصلاحية وغياب الإشراف.

 

رقابة موسمية لا تكفي لحماية مشروب يومي

 

قال الدكتور علي عبدالله، رئيس الجمعية المصرية للدراسات الدوائية، إن ثاني أكسيد التيتانيوم أصبح محل جدل عالمي خلال السنوات الأخيرة، بعد أبحاث أثارت مخاوف بشأن تأثيراته الصحية المحتملة على الإنسان.

 

وأوضح عبدالله أن المواقف التنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى، حيث اتجهت بعض الدول إلى حظر استخدامه في الأغذية احترازيا، بينما لا تزال الولايات المتحدة تسمح به وفق ضوابط محددة لا تتجاوز 1% من مكونات المنتج الغذائي.

 

وتخدم شهادة علي عبدالله محور التنظيم والرقابة، لأنها تظهر الفارق بين استخدام صناعي معلن ومقنن داخل مصانع، واستخدام عشوائي داخل محل عصير يخلط المادة في مشروب خام يقدم مباشرة للناس.

 

كما أشار عبدالله إلى أن الجدل العلمي يرتبط باحتمال تأثير التعرض المتكرر على المادة الوراثية داخل الخلايا البشرية، وهو ما يفسر اتجاه عدد من الجهات الرقابية عالميا إلى التشدد في التعامل معها.

 

وعلى المستوى الدولي، خلصت هيئة سلامة الغذاء الأوروبية في مايو 2021 إلى أن ثاني أكسيد التيتانيوم لم يعد آمنا كمضاف غذائي، لأنها لم تستطع استبعاد مخاوف السمية الجينية بعد التناول.

 

في المقابل، تسمح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية باستخدام ثاني أكسيد التيتانيوم كمادة تلوين في الأغذية وفق شروط محددة، بشرط ألا تتجاوز الكمية 1% من وزن المنتج الغذائي.

 

لكن الفرق بين النموذجين لا يخدم البائعين المخالفين في مصر، لأن السماح الأمريكي يقوم على نسب وبيانات ومواصفات، بينما تكشف ضبطيات القليوبية وأسيوط استخداما بلا بطاقة مكونات ولا قياس ولا رقابة كافية.

 

وبسبب ذلك، تبدو حملات الضبط الأخيرة خطوة متأخرة لا تكفي وحدها، لأن تداول عصير القصب يوميا في الشوارع يحتاج رقابة مستمرة، وفحصا مفاجئا، ومحاسبة علنية، وإلزاما واضحا بنظافة الأدوات والمكونات.

 

كما أثار أبو صدام ممارسات غذائية أخرى، بينها ذبح الدواجن داخل المحال وانتشار الباعة الجائلين ورش بعض المنتجات الزراعية بمواد مجهولة لتسريع النضج، وهو ما يوسع القضية خارج عصير القصب.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن التعامل مع ثاني أكسيد التيتانيوم كفضيحة مؤقتة على مواقع التواصل، لأن الواقعة تكشف سوقا غذائيا مكشوفا يترك المواطن أمام مواد مجهولة في العصائر والأطعمة اليومية.

 

وتزداد المسؤولية على الجهات الحكومية لأن المواطن لا يستطيع اختبار كوب عصير قبل شربه، ولا يستطيع معرفة صلاحية المادة المضافة أو نسبتها، بينما تملك الدولة أدوات التفتيش والتحليل وإغلاق المخالفين.

 

وفي النهاية، لا تكشف قضية غش عصير القصب عن مادة بيضاء فقط، بل تكشف فراغا رقابيا يسمح بتحويل مشروب شعبي إلى خطر صحي، ما لم تتحول الحملات من رد فعل إلى نظام دائم.