أصدر القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، أ. د. محمود حسين، بيانًا بمناسبة العام الهجري الجديد، وجّه خلاله التهنئة إلى الأمة الإسلامية، مستحضرًا دلالات الهجرة النبوية وما مثلته من نقطة تحول كبرى في التاريخ الإسلامي، باعتبارها بداية تأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، وما ارتبط بها من قيم العدل والرحمة وبناء المجتمع على أسس الإيمان والتكافل.
وتناول البيان، الصادر يوم الإثنين 29 ذو الحجة 1447 هجرية، الموافق 15 يونيو 2026، جملة من القضايا الدينية والسياسية والتنظيمية، حيث ربط بين ذكرى الهجرة النبوية وواقع الأمة الإسلامية اليوم، داعيًا إلى ما وصفه بـ«هجرة جديدة» من الذنوب إلى الطاعات، ومن الجهل إلى العلم، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التفرق إلى وحدة الصف.
كما تطرق البيان إلى تطورات الأوضاع في المنطقة، خصوصًا الحرب في غزة، والتصعيد في لبنان، والانتهاكات المرتبطة بالهدن والاتفاقات، مؤكدًا أن ما يجري يتطلب من الحكومات العربية والإسلامية، ولا سيما الدول الضامنة للاتفاقات، التحرك الفعلي للضغط من أجل وقف العدوان وضمان إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود.
العام الهجري واستدعاء دلالات الهجرة النبوية
استهل البيان بالتهنئة بمناسبة العام الهجري الجديد، مشيرًا إلى أن الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت حدثًا مؤسسًا غيّر وجه العالم، وفتح الطريق أمام قيام دولة حملت قيم العدل والرحمة والعلم والإيمان.
وأكد البيان أن الأمة الإسلامية، وهي تستقبل عامًا هجريًا جديدًا، مطالبة باستحضار تاريخها الحضاري، بدءًا من بناء المجتمع الأول في المدينة المنورة، حين آخى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وأرسى مواثيق التعايش، ونظّم الأسواق، ومنع الاحتكار والغش، وخاطب الملوك والأمراء ورؤوس القبائل.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية امتدت بعد ذلك عبر عصور متتابعة، بدءًا من الخلفاء الراشدين، مرورًا بالدولتين الأموية والعباسية، وصولًا إلى العثمانية، معتبرًا أن الأمة مرت بدورات حضارية شملت الصعود والتراجع، لكنها ما زالت تمتلك، وفق البيان، مقومات استعادة دورها إذا تمسكت بقيمها ووحدتها.
وشدد البيان على أن المطلوب اليوم هو إحياء معنى الهجرة في الواقع المعاصر، من خلال ترك المعاصي إلى الطاعات، ومغادرة الجهل والتخلف إلى العلم، والانتقال من الحرص على الدنيا إلى التضحية، ومن الذل والتبعية إلى العزة والاستقلال، مع الأخذ بالأسباب والعمل الجاد بدل التواكل والكسل.
تحديات غزة ولبنان والمنطقة في صدارة البيان
خصص البيان جانبًا واسعًا لما وصفه بـ«واجبات الوقت» أمام التحديات المتزايدة في المنطقة، معتبرًا أن الأمل في نهضة الأمة لا يجب أن يحجب إدراك خطورة الأزمات التي تتفاقم يومًا بعد يوم.
واتهم البيان الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي، بمواصلة إشعال الحروب في المنطقة بهدف إضعاف الدول العربية والإسلامية وإخضاع شعوبها، مشيرًا إلى أن غزة تواجه محاولات للسيطرة على مساحات واسعة من القطاع وتحويله إلى «معازل أمنية»، في ظل تجاهل للوسطاء والضامنين والقرارات الدولية، ورفض الالتزام بجداول زمنية واضحة للانسحاب.
كما أشار إلى تصاعد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، واستمرار الاعتداءات في لبنان، معتبرًا أن هذه السياسات تستهدف السيادة اللبنانية والعمق الجغرافي والاجتماعي والديموغرافي للبلاد، وتسعى إلى انتزاع تنازلات سياسية وسيادية لم يتمكن الاحتلال من فرضها ميدانيًا.
وتطرق البيان كذلك إلى الخروقات العسكرية المرتبطة بالهدنة مع إيران، وما وصفه بتداعياتها الإقليمية، مؤكدًا أن المنطقة تحتاج إلى موقف عربي وإسلامي أكثر صلابة، لا يكتفي ببيانات الإدانة أو الوساطة الشكلية، بل ينتقل إلى الضغط الحقيقي لوقف العدوان، وضمان إدخال المساعدات إلى غزة دون قيود.
وحذر البيان من أن استمرار ما سماه «قضم غزة» قد يمثل نموذجًا تجريبيًا لما يمكن أن يحدث في مناطق وعواصم أخرى، إذا لم تتحرك دول المنطقة لتشكيل جبهة ضغط حقيقية، وفرض معادلة أمنية مستقلة تحفظ استقرار الشعوب ومصالحها.
ذكرى مرسي ورسائل داخلية حول وحدة الجماعة
وفي محور سياسي وتنظيمي، ربط البيان بين الواقع الحالي وذكرى وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، معتبرًا أن تجربته تمثل، من وجهة نظر الجماعة، محطة بارزة في تاريخ مصر الحديث، لأنها عبّرت عن إرادة شعبية في اختيار الحاكم والانتقال إلى الحكم المدني.
وقال البيان إن السنة التي تولى فيها مرسي الحكم لم تكن مرحلة عابرة، بل كانت حدًا فاصلًا بين عصور الاستبداد والحكم العسكري، وبين مرحلة الحكم المدني، معتبرًا أنها كشفت تطلع الشعب المصري إلى الحرية والاستقلال والعيش بكرامة، واهتمامه بقضايا أمته.
وانتقد البيان ما وصفه بمرحلة الاستبداد التي مرت بها مصر على مدار عقود، معتبرًا أنها خلفت آثارًا سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، قبل أن تمثل ثورة يناير 2011 فرصة تاريخية للتغيير، أفرزت أول تجربة ديمقراطية كاملة من وجهة نظر البيان، من خلال انتخاب برلمان ورئيس بمشاركة شعبية واسعة.
وفي الجزء الأخير، تناول البيان أوضاع جماعة الإخوان المسلمين داخليًا، مقرًا بوجود مرحلة دقيقة شهدت تباينات داخلية وتحديات خارجية أثرت على وحدة الصف والأداء العام. وأكد أن الجماعة ترى في الاجتماع والوحدة سبيلًا لتجاوز الأزمات، وأن تعدد الاجتهادات يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير بالشورى والمؤسسية.
وأكد البيان أن جماعة الإخوان «وحدة واحدة لا تتجزأ»، وأن مجلس الشورى العام، في الداخل والخارج، هو المرجعية الأعلى للجماعة، وأن ما يقرره بالأغلبية ملزم لجميع الأفراد والوحدات. كما شدد على أن للجماعة قيادة واحدة ممثلة في المرشد العام الدكتور محمد بديع، وأن مجلس الشورى العام هو صاحب الحق في اختيار القائم بعمل المرشد في ظل الظروف الحالية.
واختتم البيان بالتأكيد على أن منهج الجماعة في التغيير داخل المجتمعات المسلمة هو منهج سلمي متدرج، يقوم على تربية الفرد وإصلاح المجتمع بالوسائل المشروعة، مع التمييز بين مقاومة الاحتلال والعدوان الخارجي، وبين العنف الداخلي الذي وصفه البيان بأنه فتنة مرفوضة.
وبذلك جمع البيان بين التهنئة الدينية بالعام الهجري الجديد، واستدعاء رمزية الهجرة النبوية، وطرح رؤية سياسية تجاه أزمات المنطقة، إلى جانب رسائل تنظيمية داخلية تؤكد أولوية وحدة الصف وإعادة بناء الثقة داخل الجماعة.

