مع انطلاق ماراثون امتحانات الثانوية العامة للعام الدراسي الحالي، تعود قضية الغش إلى صدارة المشهد التعليمي في مصر، وسط تشديدات واسعة من وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لضبط اللجان ومنع أي محاولات للإخلال بسير الامتحانات أو المساس بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.


وتنطلق امتحانات الثانوية العامة غدًا الأحد 21 يونيو 2026، حيث يؤدي الطلاب أولى امتحاناتهم في المواد غير المضافة للمجموع، وتشمل التربية الدينية والتربية الوطنية لطلاب النظام الجديد، بينما يؤدي طلاب النظام القديم امتحانات التربية الدينية والتربية الوطنية، إلى جانب مادتي الاقتصاد والإحصاء وفق الجدول المعلن من الوزارة.


وتأتي الامتحانات هذا العام وسط إجراءات رقابية مشددة، تشمل التفتيش الدقيق، واستخدام العصا الإلكترونية، وكاميرات المراقبة، إلى جانب الاعتماد على أنظمة الباركود والأرقام السرية داخل كراسات الأسئلة، بما يسمح بتتبع أي ورقة يتم تصويرها أو تداولها، والوصول إلى مصدر المخالفة في وقت سريع.


ولا تقف الإجراءات عند حدود تنظيم الدخول إلى اللجان أو منع اصطحاب وسائل الاتصال، بل تمتد إلى عقوبات إدارية وجنائية صارمة، قد تصل إلى إلغاء امتحان الطالب، وحرمانه من أداء الامتحانات لعامين، فضلًا عن الحبس والغرامة المالية لكل من يشارك في طباعة أو نشر أو ترويج أسئلة الامتحانات بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام.


عقوبات الطلاب.. الهاتف وحده قد يكلف الطالب امتحانه


وضعت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني مجموعة من العقوبات الحاسمة التي تستهدف ضبط سلوك الطلاب داخل اللجان، ومنع أي محاولة للغش أو تصوير الأسئلة أو تداولها عبر وسائل التواصل أو تطبيقات المراسلة.


وتبدأ العقوبات بحرمان الطالب من أداء امتحان المادة التي يثبت شروعه في الغش خلالها، وقد تتدرج العقوبة لتصل إلى حرمانه من أداء امتحانات جميع المواد لدورين متتاليين، أو لمدة عامين كاملين، وفقًا لطبيعة المخالفة ومدى خطورتها.


وتعد حيازة الهاتف المحمول داخل اللجنة من أبرز المخالفات التي شددت الوزارة على التعامل معها بحزم، إذ إن مجرد إدخال الهاتف إلى اللجنة، حتى إذا كان مغلقًا، قد يعرض الطالب لعقوبة الحرمان من الامتحان. ويأتي ذلك في ظل تكرار استخدام الهواتف خلال السنوات الماضية في تصوير الأسئلة ونشرها بعد دقائق من بدء الامتحان.


ولا تقتصر المخالفات على استخدام الهاتف فعليًا، بل تشمل أيضًا حيازة أي وسيلة إلكترونية يمكن استخدامها في الغش أو التواصل أو التصوير. لذلك تعتمد الوزارة على إجراءات تفتيش دقيقة قبل دخول الطلاب إلى اللجان، مع استخدام العصا الإلكترونية للكشف عن أي أجهزة مخفية.


ويهدف هذا التشدد إلى غلق الباب أمام محاولات التحايل، وإرسال رسالة واضحة للطلاب بأن دخول اللجنة يجب أن يكون فقط بأدوات الامتحان المسموح بها، وأن أي مخالفة قد تنهي العام الدراسي بالكامل بالنسبة لصاحبها.


الباركود والتتبع الرقمي.. عين الوزارة داخل كراسات الأسئلة


من أبرز أدوات الرقابة التي تعتمد عليها وزارة التربية والتعليم في امتحانات الثانوية العامة هذا العام استخدام أنظمة التتبع الرقمي، من خلال الباركود والأرقام السرية الموجودة على كراسات الأسئلة.


وتسمح هذه الآليات بتحديد مصدر أي ورقة يتم تصويرها أو تسريبها من داخل اللجنة، بما يعني أن تصوير السؤال أو جزء من الكراسة لم يعد مخالفة مجهولة المصدر كما كان يحدث في السابق، بل يمكن تتبعها وربطها بالطالب أو اللجنة التي خرجت منها.


وتعكس هذه الخطوة تحولًا مهمًا في إدارة الامتحانات، حيث لم تعد المواجهة قائمة فقط على التفتيش أو المراقبة البشرية، بل أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من منظومة تأمين الامتحان. فالباركود يعمل كوسيلة ردع قبل أن يكون وسيلة ضبط، لأنه يجعل الطالب مدركًا أن أي محاولة تصوير يمكن أن تقوده مباشرة إلى المساءلة وإلغاء الامتحان.


وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل انتشار صفحات ومجموعات إلكترونية تدعي قدرتها على تسريب الامتحانات أو توفير إجابات للطلاب. وتؤكد الوزارة من خلال هذه المنظومة أن محاولات التصوير أو التداول لن تمر دون رصد، وأن العقوبة لن تقع فقط على الطالب المتورط، بل قد تمتد إلى كل من يساعد أو يروج أو ينشر.


وفي هذا السياق، تسعى الوزارة إلى حماية الطلاب الملتزمين، ومنع حصول أي طالب على ميزة غير عادلة من خلال الغش، بما يحافظ على قيمة شهادة الثانوية العامة وعدالة المنافسة بين الطلاب.


عقوبات جنائية.. الحبس والغرامة لمن يروج أو يسهل الغش


إلى جانب العقوبات الإدارية الخاصة بالطلاب، هناك عقوبات جنائية نص عليها قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات، وتستهدف كل من يشارك في طباعة أو نشر أو ترويج أسئلة الامتحانات أو أجوبتها بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام.

 

وتصل العقوبات إلى السجن لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 100 ألف جنيه و200 ألف جنيه، وهي عقوبات تعكس خطورة التعامل مع الغش باعتباره جريمة تهدد العدالة التعليمية، وليس مجرد مخالفة مدرسية عابرة.


كما يعاقب القانون من يشرع في ارتكاب أي من أفعال الغش بالحبس مدة لا تقل عن سنة، بما يعني أن مجرد محاولة المشاركة في تسريب أو تداول أو ترويج الأسئلة قد تضع صاحبها تحت طائلة القانون، حتى إذا لم تكتمل الجريمة.


وتأتي هذه العقوبات في وقت تؤكد فيه وزارة التربية والتعليم أن هدفها الأساسي ليس تخويف الطلاب، بل حماية الامتحان من العبث، وضمان أن يحصل كل طالب على حقه وفق مجهوده الحقيقي، دون أن تتحول اللجان إلى ساحة للغش أو الفوضى أو تداول الأسئلة.


ومع بدء امتحانات المواد غير المضافة للمجموع بنظام الاختيار من متعدد فقط، ودون وجود ورقة مفاهيم، سيكون اليوم الأول اختبارًا عمليًا لقدرة الوزارة على ضبط اللجان وتطبيق التعليمات بحزم من البداية.


وتبقى الرسالة الأهم للطلاب أن الالتزام بالتعليمات لم يعد خيارًا، وأن دخول الامتحان بهاتف محمول أو محاولة تصوير ورقة الأسئلة قد لا يعني فقط خسارة مادة واحدة، بل قد يفتح الباب أمام ضياع عامين كاملين من مستقبل الطالب، وربما مواجهة قانونية أشد لمن يشارك في شبكات الغش أو ترويج الأسئلة.