فجرت واقعة شقيق نائب الدائرة الرابعة بطهطا، بعد ضبطه بتهمة إطلاق أعيرة نارية في فرح، ثم إخلاء سبيله بكفالة 5000 جنيه، حالة من الغضب بسبب تكرار إفلات نفوذ الأقارب من المحاكمة العادلة في حين يزج بآلاف المصريين في السجون لسنوات بتهم مماثلة أو أقل درجة.

 

وفي بلد يلاحق فيه الفقراء بأدنى شبهة، تبدو هذه الوقائع كاشفة لاختلال أعمق من حادث فردي، حيث تتحول قرابة النائب إلى ظل سياسي يفتح أبواب النجاة ويضعف الإحساس بالمساواة أمام القانون.

 

كما أن واقعة طهطا لم تأت معزولة، بل أعادت إلى الذاكرة سلسلة ملفات تورط فيها أشقاء وأبناء وأقارب نواب، بين إطلاق نار وشروع في قتل وبلطجة وقتل عامل ووقائع مالية ثقيلة.

 

وبالتالي لم يعد السؤال عن شخص أطلق النار في فرح، بل عن ثقافة كاملة تتعامل مع المقعد البرلماني كامتداد عائلي، وتتصور أن النفوذ يسبق القانون عند أول مواجهة مع الشرطة أو النيابة.

 

رصاص الأفراح ووجاهة العائلة

 

لذلك تكشف واقعة طهطا خطورة تطبيع السلاح في المناسبات، حين يتحول إطلاق النار إلى تحية اجتماعية لا جريمة تهدد الأرواح، ولا تتحرك الدولة بقوة إلا بعد انتشار الفيديو على مواقع التواصل.

 

ومن ثم فإن القبض على شقيق نائب بعد تداول المقطع يعكس سلطة الفضيحة الرقمية، لا قوة الردع وحدها، إذ باتت الكاميرا أحيانًا أسرع من الأجهزة في إجبار الدولة على التحرك.

 

غير أن إخلاء السبيل بكفالة 5000 جنيه يطرح سؤالًا عن الرسالة العامة، فالمواطن العادي يرى السلاح في الفرح فعلًا مرعبًا، بينما تبدو العقوبة الأولية محدودة أمام خطورة الرصاص العشوائي.

 

علاوة على ذلك، فإن الفقيه الدستوري نور فرحات طالما ربط دولة القانون بمبدأ المساواة أمام السلطة العامة، وهو مبدأ يهتز حين يشعر المواطن أن قرب الجاني من نائب قد يغير مسار المعاملة.

 

بناءً على ذلك، تصبح الحصانة البرلمانية في الوعي الشعبي مشوهة، فهي مخصصة للنائب في نطاق وظيفته، لكنها تتحول اجتماعيًا إلى مظلة معنوية لأقاربه، رغم أنها لا تمتد إليهم قانونًا.

 

في المقابل، لا يجوز تحويل الاتهام إلى حكم نهائي قبل القضاء، لكن تكرار الوقائع المرتبطة بأقارب نواب يمنحها طابعًا عامًا، ويحولها من أخبار حوادث متناثرة إلى ملف سياسي واجتماعي.

 

كذلك فإن السلاح في الصعيد ليس مجرد أداة احتفال، بل رمز قوة ومكانة، وحين يرتبط باسم نائب أو عائلته يصبح الرسوخ الاجتماعي للنفوذ أخطر من الواقعة الجنائية نفسها.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ردع علني لا يراعي الاسم العائلي، لأن القانون حين يظهر مترددًا أمام أصحاب النفوذ يفقد هيبته أمام من لا يملكون وساطة ولا لقبًا نيابيًا.

 

من الشروع في القتل إلى البلطجة

 

في يوليو 2021، أمرت النيابة بحبس شعبان عبد الونيس، شقيق النائب علي عبد الونيس، على ذمة اتهامه بالشروع في قتل سائق ميكروباص بإطلاق الرصاص عليه من سلاح مرخص.

 

وبينما أُخلي سبيل شقيق آخر للنائب بكفالة 5000 جنيه، كشفت الواقعة كيف يمكن لخلاف على ركن سيارة أن يتطور إلى ضرب وسحل وإطلاق نار في شارع عام أمام الناس.

 

كما شهدت الشرقية في أبريل 2017 حبس فكري أباظة، شقيق النائب أحمد فؤاد أباظة، بتهم البلطجة وحيازة سلاح ناري والإتلاف، بعد بلاغ قدمه النائب نفسه بشأن نزاع على أرض.

 

وفي هذا السياق، يوضح أستاذ القانون الجنائي محمود كبيش في قراءاته العامة لمبدأ المسؤولية الجنائية أن القرابة السياسية لا تنشئ حصانة، لأن المسؤولية شخصية والجريمة لا تنتقل ولا تسقط باسم العائلة.

 

لكن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في شعور بعض المقربين من السلطة بأن المعاملة ستختلف، سواء عبر سرعة الإفراج أو تخفيف الضغط الاجتماعي أو تدخلات غير مرئية حول مسار القضية.

 

فضلاً عن ذلك، فإن هذه الحوادث تجمع بين السلاح والنفوذ والعنف المحلي، وهي عناصر تجعل المواطن الضعيف الحلقة الأسهل كسرًا، خصوصًا حين يكون الطرف الآخر من عائلة نيابية نافذة.

 

إزاء ذلك، يصبح المجلس النيابي نفسه معنيًا سياسيًا لا جنائيًا فقط، لأن صور أقارب النواب في قضايا عنف وبلطجة تسيء إلى المؤسسة التشريعية وتضرب ما تبقى من ثقة عامة.

 

وفي قراءة حقوقية أوسع، يربط نجاد البرعي بين سيادة القانون ومكافحة الإفلات من العقاب، وهي معادلة تنطبق على هذه الوقائع حين يتكرر الإحساس بأن أصحاب النفوذ يملكون فرص نجاة أكبر.

 

قتل وسرقة مال عام وسؤال الإفلات

 

على مستوى أكثر خطورة، شهدت الجيزة في مايو 2022 اتهام ابن نائب عن بولاق الدكرور وابن شقيقه وآخرين بالاعتداء على عامل جمع قمامة، قبل وفاته متأثرًا بإصاباته بعد الواقعة.

 

وبحسب ما نشرته الصحف وقتها، ارتبطت الواقعة باتهام العامل بسرقة هاتف محمول، قبل أن تتحول إلى اعتداء قاتل، وهي صورة قاسية عن طبقية العنف حين يكون الضحية عاملًا هامشيًا.

 

كذلك تعود الذاكرة إلى واقعة مغاغة في 2009، حين قُبض على شقيق نائب سابق بعد اتهامه بقتل ربة منزل وإصابة ابنتها، عقب احتجازهما وتعذيبهما داخل منزله بسبب اتهام بالسرقة.

 

وفي مسار مالي مختلف، صدر حكم بسجن سحر الهواري وشقيقيها حازم وحاتم 5 سنوات في قضية إفلاس بالتدليس، وارتبطت الواقعة بديون قدرها 238 مليون جنيه لبنك القاهرة.

 

ومع أن هذه القضية مست نائبة لا قريبًا فقط، فإنها تكشف الوجه الآخر للنفوذ، حين تنتقل الأزمة من رصاص الشارع إلى المال العام والبنوك، ومن استعراض القوة إلى التلاعب المالي.

 

من ناحية سياسية، لا تبدو هذه الوقائع مجرد أخطاء فردية، بل علامات على بيئة تسمح بتضخم الوجاهة، حيث يصبح لقب النائب نفوذًا اجتماعيًا يستخدمه المحيطون به في الصراع اليومي.

 

وعليه، فإن أزمة أقارب النواب لا تعالج ببيانات تبرؤ متأخرة، بل بآلية شفافة تعلن نتائج التحقيقات، وتمنع التدخلات، وتلزم النواب بالكشف عن أي محاولة لاستخدام مواقعهم لحماية ذويهم.

 

في النهاية، تبدأ العدالة من كسر هذه الهالة الزائفة حول الحصانة، فالنائب ممثل للشعب لا شيخ عائلة فوق المساءلة، وأقاربه مواطنون عاديون إذا أخطأوا حوسبوا كغيرهم بلا امتياز.