مع بدء انحسار تداعيات المواجهة الأخيرة وظهور مؤشرات على انفراجات اقتصادية محتملة، تسعى إيران إلى استعادة جزء من نشاطها النفطي والتجاري، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية معقدة تتعلق بالتضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وبينما تراهن طهران على تخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية، تواصل الحكومة البحث عن حلول اقتصادية عاجلة لاحتواء الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل الإيرانيين خلال السنوات الماضية.

 

وأعلن المدير العام لشركة النفط الوطنية الإيرانية، حميد بورد، الذي يرافق الوفد الإيراني في سويسرا، أن ناقلات النفط الإيرانية تمكنت منذ يوم الاثنين الماضي من عبور خط الحصار، حاملة نحو 25 مليون برميل من النفط. وأعرب عن أمله في أن تُستكمل عمليات البيع وأن تصل الشحنات إلى وجهاتها النهائية دون عراقيل، مشيرًا إلى أن الكميات المصدرة خلال هذه الفترة تمثل أكثر من نصف القدرة التصديرية الشهرية لإيران، رغم أن طهران لا تعلن عادة تفاصيل صادراتها النفطية.

 

وفي تطور متصل، أفادت وكالة بلومبيرغ بأن إيران استأنفت تحميل النفط الخام من ميناء التصدير في جزيرة خرج، بعد توقف استمر نحو ستة أسابيع نتيجة الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية، ما يعكس عودة تدريجية لحركة الصادرات النفطية التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد الإيراني.

 

وعلى صعيد العقوبات، نقلت وكالة رويترز عن أحد أعضاء فريق التفاوض الإيراني قوله إن مسودة خاصة بالإعفاءات من العقوبات المفروضة على النفط الإيراني قد أُنجزت بالفعل، مؤكدًا أن هذه الإعفاءات من المنتظر أن تصدر قريبًا، وهو ما قد يفتح المجال أمام زيادة الصادرات وتحسين تدفقات النقد الأجنبي إلى البلاد.

 

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات الاقتصادية الداخلية حاضرة بقوة. فقد انتقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استمرار معدلات التضخم المرتفعة التي تراوح بين 40% و60% منذ سنوات، معتبرًا أن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر، ومؤكدًا أن تجاوز الأزمة ممكن إذا جرى العمل على حلول اقتصادية فعالة ومستدامة.

 

وخلال كلمته في المؤتمر السنوي الثالث والثلاثين للسياسات النقدية والمصرفية، تساءل بزشكيان عن أسباب التراجع المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين، داعيًا الخبراء والاقتصاديين إلى تقديم معالجات جذرية للأزمة، ومشددًا على مسؤولية الحكومة في حماية الأمن المالي والائتماني للمواطنين وإطلاق إصلاحات حقيقية تعيد الاستقرار إلى الاقتصاد.

 

وفي السياق ذاته، دعا النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف إلى إعداد دراسات مقارنة تساعد في وضع آليات أكثر فاعلية لضبط الأسواق والحفاظ على القوة الشرائية لمختلف شرائح المجتمع. وأكد، خلال اجتماع لجنة تنظيم السوق، أن الحكومة تضع مكافحة الغلاء واستقرار الأسعار ضمن أولوياتها، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات مختلفة تتناسب مع المتغيرات التي فرضتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

 

وأشار عارف إلى أن التقلبات اليومية في الأسعار لا تقتصر آثارها على الجوانب المعيشية فقط، بل تخلق أيضًا ضغوطًا نفسية متزايدة على المواطنين، مؤكدًا أن استعادة الاستقرار الاقتصادي باتت ضرورة ملحة للحفاظ على التماسك الاجتماعي وتعزيز الثقة في الأسواق.

 

وفي ظل هذه التطورات، تبدو إيران أمام مرحلة جديدة تجمع بين فرص اقتصادية واعدة تتمثل في استعادة صادرات النفط وتخفيف العقوبات، وبين تحديات داخلية كبيرة تتطلب إصلاحات عميقة لمعالجة التضخم وتحسين مستوى المعيشة. ويبقى نجاح الحكومة في استثمار الانفراجات الخارجية مرهونًا بقدرتها على تحويلها إلى مكاسب اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن الإيراني في حياته اليومية.