تتعمق في مصر حالة يأس واسعة داخل حياة الناس اليومية، حيث لم يعد المواطن يجد أمنا حقيقيا، ولا حرية سياسية، ولا أمانا اجتماعيا، ولا مشاركة عامة، ولا حياة ثقافية أو دينية مستقلة، ولا مصادر دخل تكفيه لمواجهة الغلاء، في ظل معادلة فرضها نظام السيسي عنوانها الصمت مقابل الأمان.

 

هذه المعادلة لم تصنع أمانا، بل صنعت خوفا مستديما؛ خوفا من الكلام، ومن الفقر، ومن السجن، ومن الغد، ومن المرض، ومن فقدان العمل، ومن العجز عن دفع ثمن الطعام والدواء والتعليم. هكذا تحولت الدولة إلى ماكينة ضغط، تبيع للمواطن وهما قاسيا: اسكت كي تعيش، ثم تتركه بلا حياة حقيقية.

 

لم تعد الأزمة في مصر سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط، بل صارت أزمة وجود يومي. المواطن محاصر بين خطاب رسمي يتحدث عن الإنجازات، وواقع يطحنه في المواصلات والأسواق والمستشفيات والمدارس وأقسام الشرطة ومكاتب الخدمات. لا صوت له في البرلمان، ولا حماية في الشارع، ولا فرصة في السوق، ولا قدرة على الاعتراض.

 

وتحت شعار الاستقرار، جرى تجفيف المجال العام، وتحييد الأحزاب، وإضعاف النقابات، وإغلاق المنابر الحرة، وخنق الإعلام، وتخويف المجتمع المدني. فالأمان الذي وُعد به الناس لم يكن أمانا من الفقر أو القهر، بل أمان النظام من مساءلة الناس، وأمان السلطة من رقابة المجتمع.

 

سياسة الخوف وإغلاق المجال العام

 

يرى الدكتور سيف عبد الفتاح أن جوهر الأزمة في مصر يرتبط بانقلاب عميق على فكرة السياسة نفسها، حيث لم يعد الحكم مجالا للتعاقد والاختيار والمحاسبة، بل صار بنية إكراه تفرض الطاعة وتجرّم الرفض. ومن هذا المنظور، يصبح الصمت ليس اختيارا شعبيا، بل نتيجة مباشرة لمنظومة تخويف طويلة.

 

في قراءة عبد الفتاح، السلطة التي تغلق السياسة لا تحمي الدولة، بل تفرغها من معناها. فالدولة ليست أجهزة أمنية ومشروعات خرسانية فقط، بل علاقة بين المواطن والحق والكرامة والمشاركة. وحين يتحول المواطن إلى متفرج خائف، تنهار فكرة الجمهورية من الداخل حتى لو بقيت المؤسسات قائمة في الشكل.

 

ويقترب الدكتور حازم حسني من هذا المعنى حين ينتقد الدولة الأمنية التي تصادر المجال العام وتدفع المجتمع إلى العجز. فالأستاذ الجامعي الذي دفع ثمن مواقفه السياسية يعرف أن القمع لا يسكت المعارضين وحدهم، بل يرسل رسالة لكل مواطن: لا تقترب من السياسة، ولا تسأل، ولا تناقش.

 

هكذا نشأ جيل كامل وهو يرى أن المشاركة السياسية طريق للخطر، وأن الكلام الحر تهمة، وأن الاعتراض مغامرة. ومع مرور الوقت، لا ينتج ذلك استقرارا، بل ينتج مواطنا منسحبا، فاقد الثقة، لا يؤمن بالانتخابات، ولا بالبرلمان، ولا بالحوار الوطني، ولا بأي قناة رسمية للتغيير.

 

الأخطر أن هذا الخوف لا يبقى داخل السياسة، بل يتسرب إلى الحياة اليومية. الموظف يخاف من رأيه، والطالب يخاف من منشوره، والعامل يخاف من المطالبة بحقه، والأسرة تخاف من حديث أبنائها. وهكذا يتحول المجتمع كله إلى مساحة مراقبة ذاتية، يجلد فيها الناس أنفسهم قبل أن تصل إليهم يد السلطة.

 

ومن هنا، يصبح شعار الصمت مقابل الأمان خدعة كبرى. فالذي يصمت لا يحصل على الأمان، بل يخسر صوته أولا، ثم يكتشف أنه خسر قدرته على الدفاع عن رزقه وكرامته وحقه في العلاج والتعليم والعدالة. السلطة التي تسلب السياسة، تسلب بعدها كل شيء.

 

الاستبداد حين يصادر المجتمع

 

يفكك الدكتور عزمي بشارة في كتاباته بنية السلطوية العربية بوصفها نظاما لا يكتفي بالسيطرة على الحكم، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه وفق منطق الخضوع. وهذا ما يظهر بوضوح في مصر، حيث لا يترك النظام مساحة مستقلة تقريبا إلا ويحاول احتواءها أو إخضاعها أو تشويهها.

 

فالاستبداد لا يكره الأحزاب فقط، بل يكره الروابط الاجتماعية الحرة. يكره النقابة المستقلة، والجمعية الأهلية، والمبادرة الثقافية، والصحافة الحرة، والحوار الديني المستقل، والجامعة التي تفكر، والفن الذي يسأل، والشارع الذي يتنفس. يريد مجتمعا بلا وسيط بين الفرد والسلطة، حتى يبقى المواطن وحيدا في مواجهة الجهاز الكبير.

 

في هذا السياق، يصبح حديث الأمن ذريعة لإضعاف المجتمع. الأمن لا يعني حماية الإنسان من الجريمة والفقر والظلم، بل حماية النظام من المجتمع. لذلك تتراجع الحياة السياسية، وتذبل الحياة الثقافية، وتُحاصر المساحات الدينية المستقلة، وتتحول الفعاليات العامة إلى مشاهد مصممة لخدمة صورة السلطة لا طاقة الناس.

 

أما عمار علي حسن، فيركز كثيرا على علاقة السلطة بالمجتمع والطبقات الفقيرة، وينتقد الوعود التي تتحدث عن الانحياز للمواطن بينما تمضي السياسات الاقتصادية في اتجاه الضغط عليه. فحين يقال للناس اصبروا من أجل الوطن، بينما ترتفع الأسعار وتتآكل الدخول، يصبح الصبر نفسه أداة إخضاع.

 

الأزمة هنا أن الفقر لم يعد عارضا اقتصاديا فقط، بل صار وسيلة سياسية. المواطن المرهق لا يجد وقتا ولا طاقة للاعتراض. يبحث عن لقمة العيش، فينسحب من المجال العام. يطارد فاتورة الكهرباء والإيجار والدروس والدواء، فيبتعد عن سؤال الحرية. هكذا تصبح الحاجة اليومية جزءا من هندسة السيطرة.

 

ومع تراجع مصادر الدخل، لا يعود المصري خائفا من الأمن وحده، بل خائفا من السوق أيضا. الأسعار تطارده، والديون تطارده، والرسوم تطارده، والضرائب غير المباشرة تطارده، والمستقبل يضيق أمام أبنائه. فلا هو آمن سياسيا، ولا مستقر اقتصاديا، ولا قادر على بناء حياة اجتماعية طبيعية.

 

لذلك تبدو مصر في عهد السيسي كبلد واسع من الخارج، ضيق من الداخل. طرق وكباري وعواصم جديدة، لكنها لا تمنح الناس معنى ولا مشاركة ولا دخلا كريما. عمران بلا إنسان، وإنفاق بلا عدالة، ودولة تتضخم فوق المجتمع بينما ينكمش المواطن في بيته وخوفه.

 

الهدر النفسي وموت المعنى

 

يرى عمرو حمزاوي أن السلطوية لا تقتل السياسة فقط، بل تقتل ثقة الناس في القانون والمؤسسات والقدرة على التغيير السلمي. وحين تتراجع الثقة، لا يعود المواطن ينتظر إصلاحا، بل يتكيف مع الخراب، أو يهاجر، أو يصمت، أو يتحول إلى كائن يائس يراقب بلده من بعيد.

 

هذا اليأس هو أخطر ما أنتجته معادلة الصمت مقابل الأمان. فقد جرى إقناع الناس بأن الحرية خطر، ثم اكتشفوا أن غياب الحرية لم يحمهم من الغلاء، ولا من الفساد، ولا من تدهور الخدمات، ولا من الإهانة اليومية. فالمقايضة كلها كانت فاسدة منذ البداية.

 

في هذا المعنى، تبدو كتابات الدكتور مصطفى حجازي عن القهر والهدر الإنساني شديدة الدلالة. فهو يشرح كيف يتحول الإنسان المقهور إلى شخص منزوع الفاعلية، محاصر بالعجز، يرى نفسه صغيرا أمام سلطة ضخمة، ويفقد تدريجيا الإحساس بالقدرة على الفعل أو التغيير.

 

ينطبق ذلك على قطاعات واسعة من المصريين اليوم. ملايين يشعرون أنهم خارج القرار، خارج الثروة، خارج الحماية، خارج المستقبل. لا يملكون أدوات المشاركة، ولا يجدون لغة رسمية تسمعهم، ولا يرون مؤسسات تدافع عنهم. يصبح الوطن مكانا للنجاة الفردية لا للمواطنة الجماعية.

 

الهدر لا يظهر فقط في السياسة، بل في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية. الأسرة مرهقة اقتصاديا، الشباب عاجزون عن الزواج أو الاستقلال، الثقافة محاصرة بالخوف والرقابة، والدين محاصر بين التوظيف الرسمي والتضييق على الاستقلال. حتى الفرح صار مكلفا، وحتى الحزن صار فرديا ومكتوما.

 

ومع غياب الأمان الحقيقي، يتآكل المعنى. الإنسان يحتاج إلى أكثر من البقاء البيولوجي؛ يحتاج إلى كرامة، وصوت، وعلاقات، وثقافة، وإيمان حر، وعمل يكفيه، ومستقبل يراه ممكنا. حين تُسلب هذه العناصر، لا يبقى إلا جسد يتحرك داخل بلد فقد روحه.

 

وفي النهاية، فإن استراتيجية السيسي لم تبن أمانا، بل بنت صمتا ثقيلا فوق مجتمع متعب. لم تمنح الناس حرية ولا خبزا كريما ولا مشاركة ولا أفقا، بل صنعت دولة تخاف من مواطنيها ومواطنين يخافون من دولتهم. وهذه ليست وصفة استقرار، بل وصفة تدمير بطيء لمصر من الداخل.