شهد سعر الدولار في السوق المصرية تراجعًا ملحوظًا خلال شهر يونيو، ليهبط إلى ما دون مستوى 50 جنيهًا للمرة الأولى منذ أكثر من عام. وسجل الدولار أمس الأربعاء في البنك المركزي المصري 49.64 جنيهًا للشراء و49.77 جنيهًا للبيع، فيما تحركت أسعاره داخل البنوك الخاصة عند مستويات متقاربة بفروق طفيفة لا تتجاوز بضعة قروش.
ويعني ذلك أن الدولار فقد نحو 8% من قيمته مقارنة بالمستويات التي تجاوز فيها 54 جنيهًا خلال شهر مارس الماضي، بالتزامن مع تداعيات الحرب التي شهدتها المنطقة وما صاحبها من ضغوط على الأسواق المالية وسوق الصرف.
عودة الاستثمارات الأجنبية تدعم الجنيه
يرى مصرفيون ومحللون اقتصاديون أن العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع الدولار خلال يونيو يتمثل في عودة جزء من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية، المعروفة باسم "الأموال الساخنة"، وذلك بعد تراجع المخاوف المرتبطة باتساع نطاق الحرب في المنطقة وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
وفي هذا السياق، أوضح خبير التمويل والاستثمار رشاد عبده أن حالة الركود التي يمر بها القطاع الإنتاجي غير النفطي أسهمت أيضًا في تقليص الطلب على الدولار، نتيجة انخفاض احتياجات المصانع والمستثمرين من العملة الأجنبية لاستيراد مستلزمات الإنتاج.
وأشار إلى أن العديد من المستثمرين أصبحوا أكثر حذرًا في التوسع الإنتاجي بسبب تراجع القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي دفعهم إلى تقليص الواردات والبحث عن بدائل محلية أو أقل تكلفة.
وأضاف أن هذا الوضع يرتبط كذلك باستمرار اعتماد الدولة على دورها المركزي في إدارة النشاط الاقتصادي، لافتًا إلى أن الحكومة تتجه في الوقت نفسه إلى بيع بعض الأصول العامة، بما يشمل أراضي ومرافق ومحطات كهرباء ومشروعات في قطاعات الموانئ والسياحة، بهدف توفير تدفقات نقدية بالدولار تساعد في دعم الاحتياطيات والحفاظ على استقرار سوق الصرف.
وأكد عبده أن عودة النشاط الصناعي والإنتاجي إلى مستويات أقوى خلال الفترة المقبلة ستؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على الدولار، وهو ما سيضع الحكومة أمام خيارين؛ إما ترك سعر الصرف يتحرك وفق آليات السوق والعرض والطلب، أو اللجوء إلى إجراءات تنظيمية للحد من الطلب على العملة الأجنبية، وهي إجراءات سبق أن أثارت انتقادات من مجتمع الأعمال والمستوردين.
وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن استثمارات غير المقيمين في الأوراق المالية الحكومية المقومة بالجنيه بلغت نحو 27.1 مليار دولار بنهاية مارس 2026، بما يعكس الحجم الكبير لرؤوس الأموال الأجنبية الموجودة في سوق الدين المحلية. كما تتحدث تقديرات مصرفية عن دخول تدفقات جديدة بمليارات الدولارات خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما زاد من المعروض الدولاري داخل الجهاز المصرفي وساعد على دعم الجنيه.
تحويلات المصريين والسياحة.. دعم أكثر استقرارًا
في المقابل، تؤكد تقارير حكومية أن تراجع الدولار لا يرتبط فقط بالأموال الساخنة، بل يستند أيضًا إلى تحسن مصادر النقد الأجنبي الأكثر استقرارًا.
فقد أعلن البنك المركزي أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت نحو 34.9 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى مارس 2026، مقارنة بنحو 26.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، محققة نموًا بلغت نسبته 32%.
وتُعد التحويلات من أكثر مصادر النقد الأجنبي استقرارًا، لأنها لا ترتبط بديون أو التزامات مالية مستقبلية، كما توفر سيولة مباشرة للبنوك وتدعم قدرتها على تلبية احتياجات السوق من العملة الأجنبية.
كما سجل قطاع السياحة أداءً إيجابيًا، إذ ارتفعت الإيرادات السياحية إلى نحو 14.4 مليار دولار خلال الفترة ذاتها، مقارنة بـ12.5 مليار دولار في العام السابق، بزيادة بلغت نحو 14.9%.
ويرى مسؤولون أن استمرار نمو إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وفر دعامة أكثر استدامة للجنيه المصري مقارنة بالأموال الساخنة، التي تتسم بسرعة الدخول والخروج وفقًا لتغيرات الأسواق العالمية.
وساعد كذلك استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسن فرص الحصول على تمويلات خارجية في تعزيز ثقة المستثمرين بشأن قدرة الاقتصاد المصري على الوفاء بالتزاماته الخارجية.
الأموال الساخنة.. مكاسب سريعة ومخاطر كامنة
ورغم الأثر الإيجابي الذي أحدثته التدفقات الأجنبية في دعم الجنيه، فإن العديد من الدراسات الاقتصادية تحذر من الإفراط في الاعتماد على هذا النوع من الأموال.
فبحسب تحليل صادر عن مركز "حلول للسياسات البديلة" بالجامعة الأميركية، أسهم ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج وزيادة إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب تطبيق نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، في الحد من المضاربات التي غذّت السوق الموازية خلال السنوات الماضية.
لكن المركز أوضح أن الأموال الساخنة تبقى استثمارات قصيرة الأجل تبحث عن العائد السريع، ويمكن أن تغادر السوق بالسرعة نفسها التي دخلتها إذا ظهرت فرص استثمارية أفضل في أسواق أخرى أو عادت الاضطرابات الجيوسياسية.
وأشار إلى أن هذه الأموال تساعد على توفير سيولة دولارية فورية، وتدعم العملة المحلية، وتسهم في تمويل عجز الموازنة عبر شراء أدوات الدين الحكومية، لكنها لا تمثل مصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي، كما أنها لا تتجه إلى القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق وظائف وتحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد.
وأكد خبراء المركز أن السوق المصرية ما زالت تقدم واحدًا من أعلى معدلات العائد الحقيقي بين الأسواق الناشئة، وهو ما يحافظ على جاذبيتها للمستثمرين الأجانب رغم تثبيت أسعار الفائدة.
تحديات الدين الخارجي وآفاق سعر الصرف
ورغم التحسن الحالي في أداء الجنيه، لا تزال التحديات التمويلية والديون الخارجية تمثل عامل ضغط رئيسيًا على الاقتصاد المصري.
وتُظهر تقديرات البنك المركزي أن إجمالي خدمة الدين الخارجي المستحقة خلال عام 2026 سيصل إلى نحو 29.18 مليار دولار، موزعة بين 23.79 مليار دولار أقساط أصل الدين و5.4 مليارات دولار فوائد وأعباء خدمة.
كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاحتياجات التمويلية الخارجية لمصر ستبلغ نحو 30.4 مليار دولار سنويًا خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، مع استمرار وجود فجوة تمويلية تتطلب تدفقات إضافية من النقد الأجنبي.
وفيما يتعلق بمستقبل سعر الصرف، تتباين توقعات المؤسسات الدولية. فصندوق النقد الدولي يرجح أن يبلغ متوسط سعر الدولار نحو 54.05 جنيهًا خلال عام 2026، وأن يرتفع إلى 55.31 جنيهًا خلال عام 2027.
في المقابل، تتبنى مؤسسات مالية أخرى رؤية أكثر تفاؤلًا؛ إذ تتوقع "فيتش سوليوشنز" تداول الدولار بين 47 و49 جنيهًا خلال عام 2026، بينما ترجح "أوكسفورد إيكونوميكس" وصوله إلى نحو 49.9 جنيهًا. كما تتوقع "ستاندرد تشارترد" تحسن الجنيه إلى مستوى 49 جنيهًا للدولار بنهاية العام، فيما تشير تقديرات "تريدينغ إيكونوميكس" إلى تداول العملة الأميركية قرب 48.75 جنيهًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما تتوقع مجموعة "إي إف جي القابضة" استقرار الدولار قرب مستوى 49 جنيهًا خلال عام 2027.
وبين التفاؤل الحذر والتحذيرات المستمرة، يبقى مستقبل سعر الصرف في مصر مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على تعزيز موارده الدولارية المستدامة، وتقوية الإنتاج والصادرات، وتقليص الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل التي قد تمنح السوق دفعة مؤقتة، لكنها لا توفر حلولًا دائمة للتحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد.

