لم يكن مساء الأربعاء في فنزويلا يوحي بكارثة وشيكة، فقد عاد الآباء من أعمالهم، وخرج الأطفال إلى ساحات المباني، واستعدت العائلات لعشاء عادي، قبل أن تضرب البلاد هزتان أرضيتان متتاليتان بفارق لا يتجاوز 40 ثانية، فتحول الهدوء اليومي إلى واحدة من أكثر الليالي رعبا في تاريخها الحديث.
في غضون دقائق، تبدلت ملامح ولايات شمال فنزويلا، خصوصا لا غوايرا وكاراكاس وياراكوي وكارابوبو وأراغوا، بعدما انهارت أبراج سكنية، وتشققت الطرق، وتعطلت المستشفيات والمطارات، وانقطعت الكهرباء والاتصالات عن أحياء واسعة، بينما وجد السكان أنفسهم أمام مشهد أقرب إلى الحرب منه إلى كارثة طبيعية عابرة.
وبينما كانت السلطات تعلن أرقاما متصاعدة عن القتلى والجرحى والمفقودين، كانت المأساة الحقيقية تتشكل تحت الأنقاض: آباء يحفرون بأيديهم بحثا عن أطفالهم، أمهات ينتظرن صوتا خافتا من الركام، وأطباء يعملون وسط نقص حاد في الإمكانات، ومتطوعون تحولوا خلال ساعات إلى فرق إنقاذ شعبية.
قصص إنسانية من قلب الركام
في ولاية لا غوايرا الساحلية، التي كانت قبل ساعات مصيفا نابضا بالحركة وبوابة قريبة من العاصمة كاراكاس، ظهرت أقسى وجوه الكارثة. هناك وقف خوسيه مانويل تشافيز فوق أنقاض منزله، يبحث عن طفله الوحيد براين أليكس، البالغ من العمر 8 أعوام، بعدما اختفى المبنى الذي كان يضم شقته.
كان الطفل، وفق روايات ميدانية نقلتها صحف أمريكية، ينتظر عودة والده من العمل، وأرسل إليه رسائل يسأله فيها عن موعد عودته، ثم خرج ليلعب مع أصدقائه أمام المبنى. وبعد دقائق قليلة، اهتزت الأرض بعنف، وسقطت الكتل الخرسانية فوق المكان الذي كان يضم ضحكات الأطفال.
عاد الأب مسرعا، لكنه لم يجد بابا ولا سلما ولا غرفة، بل كومة ضخمة من الخرسانة والحديد. ظل طوال الليل يحفر بيديه المجردتين، وينادي اسم ابنه بين الركام، رافضا أن يصدق أن الرسائل القصيرة التي تلقاها قبل الزلزال ستكون آخر أثر لطفله.
ومع صباح الخميس، كانت قصة براين قد تحولت إلى رمز لمئات القصص المشابهة. عائلات كاملة فقدت أثر أبنائها، وجيران يبحثون عن جيرانهم، وأسماء المفقودين تكتب على أوراق صغيرة وتوزع في الشوارع، أملا في خبر أو شاهد أو جثمان.
في كاراكاس، نقلت تقارير ميدانية صورة مشابهة. مبان فقدت واجهاتها وتحولت إلى هياكل إسمنتية خاوية، وطرقات ارتفعت أطرافها وانشطرت من المنتصف، وجثامين بقيت في بعض الشوارع في انتظار من ينتشلها، بينما افترش آلاف السكان الحدائق والساحات خوفا من الهزات الارتدادية.
وعلى مقربة من أحد المباني المنهارة، وقفت امرأة تبحث عن أفراد عائلتها، بعدما كانت قد تأخرت في الوصول إليهم لانشغالها بإنقاذ ابنتها من مبنى آخر. لم تكن تعرف هل ما زالوا أحياء أم دفنهم الركام، وكل ما كانت تردده أن كل ما تريده هو العثور على عائلتها.
الطبيب إسحاق ميراندا قدم وجها آخر للفاجعة. فقد أمضى ساعات الليل في المستشفى يعالج المصابين، ثم خرج مع الفجر ليبحث عن جده البالغ 72 عاما، الذي يعتقد أنه كان عالقا تحت أنقاض مبنى متصدع. شهادته كشفت أن المصابين كانوا يصلون كل دقيقة، وأن عددا كبيرا من الضحايا كانوا من الأطفال.
وفي كاتيا لا مار، هرع ستيوارت بينتو من العاصمة بعد فقدان الاتصال بابنه. لم يكن وحده في ذلك الطريق الطويل نحو المجهول، فقد امتلأت الشوارع بآباء وأمهات وأقارب يسيرون بين الغبار والأنقاض، لا يبحثون عن ممتلكات، بل عن صوت أو يد أو علامة حياة.
دولة منهكة أمام اختبار الكارثة
لم يضرب الزلزال مباني فنزويلا وحدها، بل ضرب دولة منهكة أصلا بفعل سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي وضعف الخدمات العامة. فقد جاءت الكارثة في وقت تعاني فيه المستشفيات نقصا في الأدوية والمعدات، وانقطاعا متكررا للكهرباء، وهجرة واسعة بين الكوادر الطبية، ما جعل الاستجابة الرسمية أبطأ من حجم المأساة.
في عدد من الأحياء، سبق السكان والمتطوعون فرق الطوارئ إلى مواقع الانهيار. استخدموا أيديهم، وأدوات بدائية، ودراجات نارية لنقل المياه والطعام، بينما كانت المعدات الثقيلة تصل متأخرة إلى أماكن يحتاج فيها العالقون إلى دقائق لا إلى ساعات.
وفي أحد المواقع، تمكن الأهالي من انتشال فتاتين ونقلهما إلى مستشفى قريب، بينما بقيت والدتهما تحت الأنقاض. وفي موقع آخر، كانت امرأة تصرخ بأن شقيقتها كانت تعيش في المبنى المنهار، وأنها لا ترى أحدا من فرق الإنقاذ، في اتهام مباشر لإهمال الحكومة وعجزها عن إدارة اللحظة الأولى.
هذا العجز لم يكن مفاجئا لمن يعرف حال البنية التحتية الفنزويلية. فالمستشفيات التي يفترض أن تستقبل الجرحى كانت تعاني قبل الزلزال، وشبكات الكهرباء والاتصالات لم تكن قادرة على الصمود، والطرق المتضررة عرقلت وصول الإسعاف والمعدات إلى المناطق المنكوبة.
ومع اتساع نطاق الدمار، بدا واضحا أن الدولة لا تواجه كارثة طبيعية فقط، بل تواجه نتيجة سنوات من التآكل المؤسسي. فالكارثة الكبرى لا تقاس بقوة الهزة وحدها، بل بقدرة المجتمع والدولة على امتصاصها، وهذه القدرة كانت محدودة ومثقلة بالعجز.
في الشوارع، لم يكن الناجون يتحدثون فقط عن الخوف، بل عن الجوع والعطش والبرد. آلاف قضوا الليل في العراء، بعضهم مع أطفال صغار ومسنين، في انتظار معلومات عن بيوتهم أو أقاربهم، بينما استمرت الهزات الارتدادية في إعادة الرعب إلى الأجساد المنهكة.
تكاتف شعبي ونداء دولي للإنقاذ
وسط هذا المشهد القاتم، ظهر التكاتف الشعبي كقوة وحيدة سبقت الأجهزة الرسمية في كثير من المواقع. شبان يجوبون الأحياء بالدراجات النارية لتوزيع المياه، وجيران يتبادلون البطاطين والدواء، ومتطوعون يضعون أسماء المفقودين على الجدران، في محاولة لتنظيم الفوضى وحفظ ما تبقى من ذاكرة المفقودين.
في كاراكاس ولا غوايرا، تحولت الساحات إلى مراكز انتظار مفتوحة. البعض يبحث عن ناجين، والبعض ينتظر إخراج الجثامين، وآخرون يراقبون المباني المتصدعة خوفا من انهيار جديد. لم يعد للبيوت معنى آمن، ولم يعد الشارع مجرد ممر، بل صار ملاذا مؤقتا لمن نجوا بأجسادهم وفقدوا إحساسهم بالأمان.
ومع تزايد أعداد الضحايا، سارعت دول عدة إلى إعلان استعدادها لإرسال فرق بحث وإنقاذ ومساعدات إنسانية ومعدات ثقيلة. غير أن حجم الدمار وتعطل الطرق وضعف البنية اللوجستية جعل وصول النجدة إلى بعض المناطق أبطأ من حاجة العالقين تحت الأنقاض.
التحليلات الدولية رأت أن الزلزال وضع الحكومة الفنزويلية أمام أصعب اختبار منذ سنوات، خصوصا أن البلاد لم تكن قد تعافت من أزماتها الاقتصادية والسياسية الممتدة. فالكارثة هنا لا تختبر فقط قدرة السلطة على الإغاثة، بل تختبر قدرتها على استعادة ثقة مجتمع يشعر منذ زمن أنه متروك لمصيره.
ومهما اختلفت الروايات حول عدد الضحايا النهائي، فإن الثابت أن فنزويلا عاشت ليلة ستبقى في ذاكرتها الجماعية طويلا. ليلة بدأها الأطفال باللعب أمام البيوت، وأنهاها الآباء بالحفر في الركام. ليلة كشفت أن الزلازل لا تهدم المباني وحدها، بل تفضح هشاشة الدول، وتكشف الفارق بين النجاة كفعل فردي، والحماية كواجب عام.
في النهاية، لم تكن مأساة فنزويلا مجرد رقم جديد في سجل الكوارث الطبيعية، بل حكاية بلد أنهكته الأزمات قبل أن تضربه الأرض من أسفل. وبين أب يبحث عن طفله، وطبيب يبحث عن جده، ومدينة تنام في العراء، تبدو الكارثة شهادة قاسية على شعب يقاوم الموت بيديه العاريتين.

