أعلن وزير الصناعة خالد هاشم في القاهرة دراسة ضوابط جديدة على استيراد السيارات، تشمل الملاءة المالية ومراكز الصيانة المعتمدة، بهدف تنظيم السوق، وسط مخاوف من تقليص المعروض ورفع الأسعار على المستهلكين.

 

وبالتالي، لا تبدو القضية مجرد تنظيم إداري لسوق مرتبك، بل اختبار سياسي واقتصادي لطريقة إدارة الحكومة للأزمات، حين ترفع شعار حماية المستهلك، بينما قد تنتهي إلى تضييق المنافسة لصالح اللاعبين الأقوى.

 

كما أن سوق السيارات المصري خرج من سنوات اضطراب قاسية، بين قفزات الدولار، وندرة المعروض، وعودة زيادات غير رسمية، ولذلك فإن أي ضابط جديد قد يتحول بسرعة إلى بوابة إضافية للغلاء.

 

 

ضوابط الاستيراد بين التنظيم وتقييد السوق

 

بداية، قال علاء السبع رئيس شركة السبع أوتوموتيف وعضو شعبة السيارات، إن الضوابط الجديدة لم تحسم بعد، وإن هدفها تنظيم السوق وضمان وجود مستوردين قادرين على خدمة العملاء بعد البيع.

 

غير أن حديث التنظيم لا يمحو الخوف من أن تتحول الضوابط إلى حاجز دخول مرتفع، يسمح للشركات الكبيرة وحدها بالاستمرار، ويدفع المستوردين المستقلين الجادين خارج السوق تحت عنوان الملاءة.

 

ومن ثم، يصبح السؤال الحقيقي ليس هل يحتاج السوق إلى ضبط، بل من يضع الضوابط، ولصالح من، وهل ستمنع الفوضى فعلا، أم ستقلل المعروض وتمنح الوكلاء مساحة أوسع للتحكم.

 

كذلك، أوضح السبع أن المستوردين المستقلين ساهموا في تعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، وهو اعتراف مهم بأن السوق لم يكن ليستقر نسبيا دون قنوات استيراد متعددة تضغط على الأسعار.

 

في المقابل، أشار السبع إلى وجود حالات بيع دون ضمانات كافية أو جهة واضحة للرجوع إليها، وهذه مشكلة حقيقية، لكنها لا تبرر عقاب السوق كله بدل محاسبة المخالفين فقط.

 

لذلك، فإن الحل العادل يبدأ بتسجيل المستوردين، وإلزامهم بعقود صيانة وضمان معلنة، ونشر بيانات الاستدعاءات، لا بإغلاق الباب تدريجيا أمام كل من لا يملك شبكة ضخمة كالوكلاء الكبار.

 

وفقا لذلك، يجب أن تكون الملاءة المالية أداة لحماية العميل من التلاعب، لا وسيلة لاحتكار الاستيراد، لأن المستهلك لا يحتاج وصاية حكومية جديدة، بل يحتاج منافسة وضمانا وسعرا عادلا.

 

 

الغلاء مرشح للعودة باسم الحماية

 

علاوة على ذلك، توقع علاء السبع حدوث زيادات محدودة في بعض الفئات إذا أثرت الضوابط على حجم الاستيراد، وهو ما يعني أن تكلفة التنظيم قد تنتقل مباشرة إلى جيب المشتري.

 

وبناء على ذلك، فإن المستهلك الذي أنهكته موجات الغلاء قد يجد نفسه أمام معادلة ظالمة، سيارة بضمان أفضل، لكن بسعر أعلى، ومعروض أقل، وقدرة تفاوض أضعف داخل المعارض.

 

في السياق نفسه، حذر أسامة أبو المجد رئيس رابطة تجار السيارات سابقا من عودة الزيادات غير الرسمية داخل السوق، مؤكدا وجود فجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار البيع الفعلية في المعارض.

 

ومن هنا، تبدو أي خطوة تقلل المنافسة خطرا مضاعفا، لأن السوق الذي يعرف ظاهرة الزيادات غير الرسمية لا يحتاج مزيدا من التركيز، بل يحتاج شفافية أسعار ورقابة على البيع.

 

ثم إن تراجع الدولار وحده لا يكفي لخفض الأسعار إذا تقلصت قنوات الاستيراد، لأن السعر النهائي تحكمه المنافسة والمعروض والتوقعات، وليس سعر العملة فقط أو بيانات الحكومة.

 

وعليه، فإن الدفاع عن المستهلك لا يكون بتقليل عدد المستوردين، بل بإلزام الجميع بقواعد موحدة، ونشر السعر العادل، وملاحقة البيع المبالغ فيه، وتسهيل دخول سيارات آمنة ومضمونة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن خدمات ما بعد البيع حق أساسي لا يجوز التنازل عنه، لكن ربطه بشروط معقدة قد يخلق سوقا مغلقة، يدفع فيها المواطن ثمن الضمان وثمن الاحتكار معا.

 

 

التصنيع المحلي لا يكفي وحده

 

من ناحية أخرى، تراهن وزارة الصناعة على التصنيع المحلي باعتباره مسارا لتعويض أي تراجع محتمل في الواردات، مع الحديث عن زيادة نسب المكون المحلي في بعض الطرازات إلى نحو 55%.

 

إلا أن هذا الرهان يحتاج حذرا، لأن التصنيع المحلي لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لحجب المنافسة الخارجية قبل أن يثبت قدرته على تقديم جودة واسعة وأسعار تنافسية وخيارات متعددة.

 

كما قال خالد سعد أمين عام رابطة مصنعي السيارات إن فتح الاستيراد دون ضوابط قد يضر مبيعات السيارات المنتجة محليا، مشيرا إلى حالات تلاعب في الأسعار ومستندات الاستيراد.

 

ومع ذلك، فإن حماية الصناعة لا تعني حماية المنتج الضعيف من المنافسة، بل تعني دعم سلاسل الإمداد، وتعميق المكون المحلي، وتحسين الجودة، ومحاسبة أي مستورد أو مصنع يضلل المستهلك.

 

فضلا عن ذلك، قال خالد سعد إن فاتورة استيراد السيارات بلغت 8 مليارات دولار في مرحلة سابقة، ما دفع الدولة إلى دعم التصنيع الداخلي، وهي حجة اقتصادية مفهومة لكنها غير كافية.

 

بالمقابل، لا يستطيع التصنيع المحلي وحده تلبية كل الفئات والطرازات المطلوبة، كما اعترف السبع، ولذلك فإن التوازن الحقيقي يقتضي استيرادا منظما لا مغلقا، وصناعة محلية منافسة لا محمية.

 

ختاما، تكشف ضوابط السيارات المرتقبة صراعا بين تنظيم مطلوب واحتكار محتمل، فإذا غابت الشفافية تحولت حماية المستهلك إلى شعار، وانتهت السوق إلى أسعار أعلى، ومنافسة أقل، ومواطن يدفع الفاتورة.