كشفت حركة المقاطعة الفلسطينية عن وصول شحنة فولاذ عسكري إلى ميناء بورسعيد في 17 يونيو، بعد مرورها بطنجة، وسط اتهامات بأنها موجهة إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية، ونتيجة ذلك تحولت مصر إلى محطة عبور مثيرة للغضب.

 

بينما أغلقت موانئ أوروبية وأفريقية أبوابها أمام شحنات مشابهة، تبدو الموانئ المصرية كأنها تتحمل ما هربت منه حكومات أخرى، في لحظة تتراكم فيها صور غزة ولبنان تحت القصف، وتتحول الملاحة إلى شبهة سياسية وأخلاقية.

 

في السؤال الغائب عن بيانات القاهرة، لا تبدو القضية مجرد حاويات عابرة، بل امتحانا صريحا: لماذا تواصل مصر استقبال شحنات يلاحقها النشطاء والحقوقيون في أوروبا باعتبارها جزءا من آلة الحرب الإسرائيلية.

 

من بورسعيد إلى أبو قير خريطة عبور لا حادث منفرد

 

بداية، لا يمكن فصل شحنة بورسعيد عن وقائع سبقتها، إذ سبق أن طاردت منظمات المقاطعة سفنا محملة بفولاذ عسكري، قالت إنها خرجت من الهند باتجاه مصانع إسرائيلية، ثم وجدت في مصر ممرا آمنا بعد اعتراضات أوروبية.

 

في المقابل، نفت الحكومة المصرية سابقا تقارير عن رسو سفينة تحمل فولاذا ذا استخدام عسكري في أبو قير، ووصفت ما نشر بأنه شائعات كاذبة، غير أن تكرار الأسماء والموانئ والشركات أبقى السؤال مفتوحا أمام الرأي العام.

 

ثم جاءت واقعة السفينة إم في كاثرين لتكشف أن المسألة لا تتعلق بالفولاذ وحده، فقد قالت منظمة العفو الدولية إن الحكومة المصرية سمحت لها بالرسو في الإسكندرية، رغم الاشتباه بحملها متفجرات متجهة إلى إسرائيل.

 

كذلك ذكرت رويترز أن محامين ألمان سعوا قضائيا لمنع تسليم شحنة تزن 150 طنا من المتفجرات إلى متعاقد عسكري إسرائيلي، وأن سجل السفينة أظهر ظهورها الأخير في الإسكندرية، بعد رفض موانئ أخرى استقبالها.

 

ومن هنا، تتسع الشبهة من حادث ملاحي إلى نمط سياسي، فحين ترفض موانئ في ناميبيا وأنغولا وبلدان متوسطية سفنا بسبب خطر استخدامها في جرائم حرب، ثم تستقبلها مصر، يصبح الصمت الرسمي جزءا من القصة.

 

فضلا عن ذلك، لا تسقط المسؤولية بمجرد القول إن الموانئ مناطق عبور، لأن الخطر هنا ليس في الرسو فقط، بل في إعادة الشحن والتفريغ والتسهيل اللوجستي لشحنة يقال إن مقصدها النهائي مصانع سلاح إسرائيلية.

 

غير أن أخطر ما في الوقائع المتتابعة أن مصر لا تعلن تحقيقا شفافا ولا تنشر بيانات فنية عن طبيعة الحمولات، بينما تكتفي أحيانا بالنفي العام، بما يترك المجال مفتوحا لاتهام أكبر من الشائعة وأثقل من الصمت.

 

حسابات النظام بين واشنطن وتل أبيب وسيناء

 

سياسيا، تبدو الموانئ المصرية واقعة بين ثلاثة أثمان: العلاقة العسكرية مع واشنطن، والتنسيق الأمني مع تل أبيب، وحرص النظام على عدم اهتزاز ترتيبات سيناء، وهي أثمان لا يقولها الخطاب الرسمي لكنها تظهر في سلوكه.

 

لهذا، يرى الخبير في القانون الدولي سعيد عفيفي أن التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن، والمساعدات السنوية، والترتيبات الأمنية المرتبطة بسيناء، قد تشكل بيئة سياسية تؤثر في قرارات السلطة المصرية تجاه هذه الشحنات.

 

وبحسب هذا المنطق، لا يصبح استقبال الشحنات قرارا فنيا بيد إدارة ميناء، بل قرارا سياديا محكوما بحسابات أعلى، تتعامل مع الغضب الشعبي كضجيج مؤقت، ومع إسرائيل كملف أمني لا يجوز لمسه علنا.

 

كما أن دعوة شركات شحن عالمية لتوسيع استثماراتها في الموانئ المصرية، رغم اتهام بعضها بخدمة خطوط إسرائيلية، تكشف أن النظام يضع عوائد الموانئ وسلاسل الإمداد فوق أي اعتبار سياسي أو أخلاقي متعلق بغزة.

 

في الوقت نفسه، تتعامل أوروبا الرسمية والشعبية مع تلك الشحنات باعتبارها عبئا قانونيا وسياسيا، بينما تبدو القاهرة أقل حساسية تجاه الكلفة المعنوية، وكأن النظام يقايض صورة مصر التاريخية بدور وسيط لوجستي صامت.

 

لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس هل مرت سفينة واحدة، بل من اتخذ قرار السماح، ومن راجع طبيعة الشحنة، ومن علم بالوجهة النهائية، ومن قرر أن أمن إسرائيل اللوجستي لا يستفز الأمن القومي المصري.

 

ثم إن ربط المسألة بالملاحة الدولية وحدها تبرير ناقص، لأن الدول التي رفضت أو أخرت أو فتشت شحنات مشابهة لم تعلن حربا على التجارة، بل تصرفت تحت ضغط خطر المشاركة غير المباشرة في جرائم خطيرة.

 

وعلى الجانب الآخر، تستفيد تل أبيب من تحويل مصر إلى حلقة وسطى، لأنها تقلل كلفة الضغط الأوروبي عليها، وتمنح سلاسل التوريد العسكرية منفذا عربيا حساسا، يصعب على إسرائيل الحصول على مثله بلا ثمن سياسي.

 

المسؤولية القانونية والفضيحة الأخلاقية

 

قانونيا، لا يكفي الغضب لإثبات الإدانة، لكن لا يكفي النفي لإسقاط الشبهة، فالمعيار الحقيقي هو طبيعة الحمولة، والجهة المستفيدة، وعلم السلطات، واحتمال استخدامها في جرائم حرب أو إبادة جماعية.

 

وقد شددت ناتاشا بوسيل، مسؤولة منظمة العفو الدولية في سلوفينيا، على أن الشحنة المشتبه بها على متن إم في كاثرين يجب ألا تصل إلى إسرائيل، بسبب الخطر الواضح من مساهمتها في جرائم ضد المدنيين الفلسطينيين.

 

كما حذرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي مرارا من مسؤولية الدول والشركات عن تمكين آلة الحرب الإسرائيلية، وهو تحذير يجعل أي تسهيل لوجستي لشحنات عسكرية محل فحص سياسي وقانوني لا دعاية عابرة.

 

بناء على ذلك، يصبح واجب القاهرة ليس إصدار نفي غامض، بل إعلان فحص مستقل، ونشر بيان جمركي وفني، وتحديد خط سير الحاويات، وبيان ما إذا كانت الشحنة عسكرية أو مزدوجة الاستخدام أو تجارية بحتة.

 

ومع ذلك، يظل صمت البرلمان المصري أكثر فضيحة من صمت الحكومة، فبينما شهدت إيطاليا استجوابات برلمانية بشأن حاويات مشتبه بها، لا يظهر في القاهرة نقاش علني بحجم الجريمة التي قد تلاحق سمعة الدولة.

 

وفوق ذلك، فإن البلاغات القانونية التي طالبت بتجميد الشحنة وتفتيشها لا تمثل رفاهية سياسية، بل محاولة لإجبار الدولة على الاختيار بين الشفافية والتواطؤ، وبين حماية الأمن القومي وحماية خط إمداد إسرائيلي.

 

ومن ثم، فإن استقبال هذه الشحنات لا يضرب فقط صورة النظام أمام الفلسطينيين، بل يطعن الوعي المصري نفسه، لأن شعبا دفع ثمن الحروب مع إسرائيل لا يقبل أن تتحول موانئه إلى رصيف لفولاذ القذائف.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن كل حاوية يشتبه في وصولها إلى مصنع سلاح إسرائيلي تعني أن الميناء لم يعد مجرد منشأة اقتصادية، بل صار جزءا من سؤال الدم، ومن شبكة الإسناد التي تطيل عمر الحرب.

 

في الخلاصة، لا تواصل مصر استقبال هذه الشحنات لأنها عاجزة عن السؤال، بل لأن النظام اختار إغلاق السؤال، تاركا للموانئ أن تتكلم بدلا من البيانات، وللصمت أن يكون أقسى اعتراف سياسي.