كثفت وسائل الإعلام الرسمية والموالية لسلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي خطابها السنوي حول الأحداث السياسية الفارقة، عبر برامج وصحف ودراما ومنصات رقمية، لتثبيت رواية واحدة للذاكرة، وكانت النتيجة إعادة إنتاج الخوف بدل فتح نقاش وطني حقيقي.
وفيما يعيش المواطن ضغط الفقر والقهر وانسداد المجال العام، يتحول هذا الخطاب إلى غطاء سياسي وإنساني لقمع الذاكرة، إذ لا يكتفي بتفسير الماضي، بل يصنع حاضراً مشوهاً يبرر استمرار الاستبداد باسم الإنقاذ.
وبالتالي يصبح الإعلام الرسمي أكثر من ناقل للأخبار، فهو أداة لصناعة الواقع وتوجيه الوعي، ومصنع يومي يعيد ترتيب الأحداث والشخصيات، بحيث تظهر السلطة منقذة دائمة، ويظهر خصومها خطراً لا ينتهي.
كما أن لحظات الذكرى السياسية لا تمر باعتبارها وقائع تاريخية قابلة للمراجعة، بل تتحول إلى مواسم تعبئة، تستعيد فيها السلطة مفرداتها نفسها، وتدفع المتلقي إلى قبول روايتها بوصفها الحقيقة الوحيدة.
لغة الإنقاذ وصناعة العدو
من ثم يبدأ الخطاب الرسمي عادة من قاموس عسكري وأمني، يستدعي كلمات مثل الإنقاذ والتطهير والاستعادة والتصحيح، ليصنع فاصلاً مصطنعاً بين زمن فوضى كامل وزمن خلاص كامل تقوده السلطة وحدها.
غير أن هذه الثنائية لا تفسر التاريخ بل تلغيه، لأنها تختزل المجتمع في معسكرين، أحدهما وطني مطلق، والآخر خائن مطلق، فتتحول السياسة من خلاف على الحكم إلى معركة أخلاقية ضد شيطان دائم.
علاوة على ذلك، يشبه التكرار السنوي لهذه المفردات طقساً إعلامياً منظماً، لا يهدف إلى الإخبار بل إلى التثبيت، حيث تُعاد الجمل والاتهامات والصور حتى تفقد طابعها الدعائي وتبدو كأنها بديهية.
لذلك يفسر نعوم تشومسكي في نقده للإعلام المهيمن كيف تعمل المؤسسات الكبرى على تصنيع القبول العام، لا عبر الكذب المباشر فقط، بل عبر اختيار الموضوعات والزوايا والخصوم بما يخدم السلطة القائمة.
وبناءً على ذلك، لا يحتاج الخطاب الرسمي إلى إثبات كل اتهام يردده، لأن قوته تأتي من الانتظام والكثافة والسيطرة على المنابر، حيث يتحول الاتهام المتكرر إلى ذاكرة بديلة تسبق التفكير وتخنق السؤال.
في المقابل، تكشف كل محاولة لنفي الروايات الأخرى عن وجودها الحي، فالسلطة حين تهاجم خصومها في كل ذكرى تعترف ضمنياً بأنها لم تنتصر على ذاكرتهم، بل تخشاها وتطارد أثرها المتبقي.
إعادة تشكيل الذاكرة بالصورة والدراما
كما أن الإعلام لا يعمل بالكلمات وحدها، بل يدمج الصورة والمؤثرات والموسيقى والدراما في بنية واحدة، فتتحول الشاشة إلى محكمة رمزية تصدر أحكامها مسبقاً، قبل أن يسمع الجمهور روايات الضحايا والشهود.
ولزيادة التأثير، تتضافر الصحافة والبرامج الحوارية والمسلسلات في إنتاج مشهد واحد، حيث تتولى الصحف صناعة العنوان، وتتولى البرامج رفع الانفعال، وتتولى الدراما زرع الصورة العاطفية الأعمق في وجدان المتلقي.
ومن ناحية أخرى، يوضح ستيوارت هول أن الرسائل الإعلامية لا تصل بريئة إلى الجمهور، بل تُشفّر داخلها رؤية منتجها ومصالحه، ثم يحاول الجمهور فكها وفق خبرته وخوفه وموقعه الاجتماعي.
غير أن الإعلام الرسمي لا يترك هذه العملية مفتوحة، بل يطارد التأويلات المخالفة، ويعامل الشك باعتباره جريمة، فيصبح المتلقي محاصراً بين رواية جاهزة وضغط اجتماعي وسياسي يدفعه إلى الصمت أو المسايرة.
وعلى هذا الأساس، تتحول الذكرى من مساحة تفكير إلى مسرح ولاء، لا يسمح بتعدد الأسئلة، ولا يعترف بتعقيد الأحداث، ولا يترك مكاناً للمأساة الإنسانية التي عاشها من دفعوا الثمن.
فضلاً عن ذلك، تمنح الدراما الرسمية للرواية السياسية جسداً وحركة ودموعاً، فتتجاوز الحجة العقلية إلى التأثير العاطفي، وتضع الخصم داخل صورة شريرة ثابتة، يصعب على المتلقي العادي تفكيكها لاحقاً.
خطاب السلطة حين يشيخ
لكن المشكلة الكبرى أن الخطاب حين يفرط في اليقين يفضح هشاشته، فالمواطن الذي يرى الفقر والديون والقمع يومياً لن يصدق بسهولة أن كل أزمة سببها عدو قديم أو مؤامرة متكررة.
ثم إن أدوات التعبئة تفقد بريقها مع الزمن، فالرموز التي كانت تُقدم باعتبارها علامات خلاص تتحول إلى عبء على أصحابها، حين تصطدم الرواية الرسمية بواقع البطالة والغلاء والظلم وانكسار الأمل.
وبالمثل، يوضح تيون فان دايك أن الخطاب السياسي والإعلامي يعيد إنتاج السلطة عبر التحكم في الوصول إلى المجال العام، وتحديد من يملك حق الكلام ومن يوصف مسبقاً بالخطر أو الجهل.
لهذا يصبح الصراع الحقيقي حول من يمتلك المنبر، لا حول صحة الرواية فقط، لأن السلطة التي تحتكر الكلام تستطيع إخفاء الشهادات، لكنها لا تستطيع إلغاء الذاكرة التي يحملها الناس في حياتهم.
ومع ذلك، لا يبقى المتلقي ضحية كاملة، فهو يتفاوض مع الخطاب ويفككه أحياناً، وقد يقبله خوفاً أو مصلحة أو تعباً، لكنه يحتفظ في داخله بمسافة صامتة حين تكذبه التجربة اليومية.
ومن ثم تتحول السردية الرسمية إلى مسخ إعلامي حين تعجز عن إقناع الناس، فتملأ الهواء ضجيجاً وتترك الواقع فارغاً، وتخوض معركة ضد ذاكرة اجتماعية لا تزال ترى وتسمع وتقارن.
كما أن محاولات تزييف الواقع الظاهر تنكسر تحت وطأة القهر، لأن الجائع لا تطعمه نشرة الأخبار، والمظلوم لا تنقذه فقرة دعائية، والمقهور لا ينسى ألمه بمجرد عرض وثائقي موجه.
في النهاية، تبقى الذاكرة الإنسانية عصية على الهندسة الكاملة، فكلما حاولت السلطة فرض رواية واحدة، خرجت من شقوق الحياة روايات أخرى، تحمل أسماء الغائبين ووجوه المقهورين وأسئلة المستقبل المؤجلة.

