شهدت الحدود الباكستانية الأفغانية تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بعدما شنت القوات الجوية الباكستانية سلسلة غارات مكثفة استهدفت مواقع في ثلاث ولايات أفغانية، قالت إسلام آباد إنها تُستخدم من قبل مسلحي جماعة "جيش الأحرار"، وذلك ردًا على الهجوم الانتحاري الذي استهدف مقرًا للقوات شبه العسكرية في مدينة كراتشي وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه العلاقات بين باكستان وحكومة طالبان الأفغانية توترًا متزايدًا، وسط تبادل الاتهامات بشأن إيواء الجماعات المسلحة وتوفير ملاذات آمنة لها، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمة الأمنية بين البلدين.
غارات جوية على ثلاث ولايات أفغانية
وأعلنت الحكومة الباكستانية أن سلاح الجو نفذ عملية عسكرية واسعة خلال الساعات الماضية استهدفت مواقع وصفتها بالعسكرية تابعة لجماعة "جيش الأحرار" في ولايات بكتيا وبكتيكا وكنر داخل الأراضي الأفغانية.
وقال وزير الإعلام الباكستاني عطاء تارر، في بيان رسمي، إن الضربات الجوية جاءت ضمن عملية عسكرية تحمل اسم "غضب للحق"، مؤكدًا أنها أسفرت عن تدمير عدد من معاقل ومراكز المسلحين، وأن العمليات العسكرية لن تتوقف حتى القضاء على جميع التهديدات التي تستهدف الأمن القومي الباكستاني.
وأضاف الوزير أن الحملة العسكرية ستستمر سواء داخل الأراضي الباكستانية أو في المناطق الحدودية داخل أفغانستان، طالما استمرت الجماعات المسلحة في تنفيذ هجمات ضد القوات الباكستانية.
هجوم كراتشي أشعل المواجهة
وجاءت الغارات عقب ساعات فقط من هجوم انتحاري استهدف مقرًا للقوات شبه العسكرية "الرنجرز" في مدينة كراتشي جنوب البلاد، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من أفراد القوات الأمنية.
وأعلنت جماعة "جيش الأحرار"، أحد أبرز الفصائل المنضوية تحت حركة طالبان الباكستانية، مسؤوليتها عن تنفيذ العملية، الأمر الذي دفع السلطات الباكستانية إلى الرد عسكريًا عبر استهداف مواقع تقول إنها تستخدمها الجماعة داخل أفغانستان.
وترى إسلام آباد أن قادة طالبان الباكستانية، إضافة إلى قيادات جماعة "جيش الأحرار"، يتحركون بحرية داخل الأراضي الأفغانية، وهو ما تنفيه حكومة طالبان باستمرار.
طالبان تتهم باكستان باستهداف المدنيين
في المقابل، وجهت حكومة طالبان الأفغانية اتهامات مباشرة إلى باكستان باستهداف المدنيين، مؤكدة أن الغارات الجوية أصابت مناطق سكنية مأهولة بالسكان.
وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد إن الطائرات الباكستانية قصفت منازل مدنية في مديرية كيان بولاية بكتيكا، ومنطقة تشمكني في ولاية بكتيا، إضافة إلى مديرية مروره في ولاية كنر.
وأضاف أن الهجمات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين، واصفًا ما جرى بأنه "جريمة بحق المدنيين العزل"، ومؤكدًا أن كابل تعتبر ما حدث انتهاكًا صارخًا لسيادة أفغانستان وعدوانًا غير مقبول على أراضيها.
روايات عن خسائر بشرية كبيرة
وبحسب مصادر أفغانية، فإن حجم الخسائر البشرية قد يكون أكبر بكثير من الأرقام الأولية المعلنة، ونقل مصدر بوزارة الداخلية الأفغانية أن عدد القتلى والجرحى تجاوز 200 شخص، موضحًا أن إحدى الغارات استهدفت منازل سكنية في مديرية تشمكني، قبل أن تعاود الطائرات قصف الموقع مجددًا أثناء تجمع الأهالي لمحاولة إنقاذ الضحايا وإخراجهم من تحت الأنقاض، ما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا بين قتيل وجريح.
تصعيد مستمر منذ أشهر
وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد العمليات العسكرية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية منذ فبراير الماضي، حيث كثفت إسلام آباد ضرباتها الجوية ضد ما تقول إنها مواقع تابعة لحركة طالبان الباكستانية والجماعات المرتبطة بها.
ورغم استمرار تلك العمليات، تشير تقارير إلى أنها لم تنجح في القضاء على أبرز قيادات التنظيم، كما لم تؤد إلى الحد من الهجمات المسلحة داخل باكستان، بل امتدت العمليات إلى مناطق أكثر عمقًا، من بينها إقليما البنجاب والسند، وكان هجوم كراتشي الأخير أحد أبرز مظاهر هذا التصعيد.
تهديدات باكستانية سابقة
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجه أصف قد لوح خلال الأيام الماضية بإمكانية تنفيذ عمليات عسكرية أوسع داخل أفغانستان إذا استمرت الهجمات المسلحة على الأراضي الباكستانية.
وأكد أن الحكومة الأفغانية أمام خيارين، يتمثل الأول في القضاء على عناصر طالبان الباكستانية الموجودة داخل أفغانستان، بينما يتمثل الثاني في مواجهة عمليات عسكرية باكستانية أكثر اتساعًا، مشددًا على أن أمن بلاده يمثل أولوية لا يمكن التهاون بشأنها.

