ما بين حياكة السجاد الفارسي وأروقة الدبلوماسية المعقدة، يمتد خيط رفيع أتقن الإيرانيون نسجه بالصبر وطول النفس؛ وهي مهارة برزت بوضوح في كواليس الساعات الأخيرة من مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، وتحديدًا في اللحظة التي انهمرت فيها دموع رئيسة الوفد الأمريكي المفاوض، ويندي شيرمان.

 

وتروي شيرمان في مذكراتها كيف فاجأها نظيرها الإيراني عباس عراقجي، بعد عامين من المباحثات الشاقة، عندما طالب فجأة بإعادة فتح نقاش حول نقطة سبق الاتفاق عليها بشكل نهائي. وفي تلك اللحظة، انكشف الجانب الإنساني الذي نادرًا ما يظهر في مثل هذه المفاوضات؛ إذ فقدت شيرمان صبرها، وانفجرت بالبكاء من شدة الإحباط واليأس.

 

وقالت شيرمان بانفعال: "كفى.. تجاوزنا الموعد النهائي، والكونغرس على وشك الدخول في عطلة.. أنتم تخاطرون بكل ما عملنا من أجله". وأمام هذا المشهد غير المتوقع، أدرك الوفد الإيراني خطورة الموقف، وقرر التوقف عند هذا الحد. واستعاد عراقجي تلك الواقعة في كتابه "قوة التفاوض" قائلاً: "كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مفاوضًا يبكي على الطاولة".

 

ولا تُروى هذه الحادثة لمجرد طرافتها، بل لأنها تلخص جانبًا من العقيدة التفاوضية الإيرانية، القائمة على استنزاف أعصاب الخصم حتى اللحظة الأخيرة. وهي السمعة التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى القول خلال ولايته الأولى: "إيران لم تكسب حربًا قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات". كما أن وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف تلقى نسخة موقعة من كتاب "الدبلوماسية" للمفكر الأمريكي الراحل هنري كيسنجر، كتب عليها عبارة لافتة: "إلى عدوي المحترم".

 

من أزمة الرهائن إلى الاتفاق النووي.. كيف تشكلت عقيدة التفاوض الإيرانية؟

 

لم يتشكل هذا النفس الطويل بين ليلة وضحاها؛ فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أصبح التفاوض بالنسبة لطهران امتدادًا للصراع، لا وسيلة لإنهائه. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة احتجاز رهائن السفارة الأمريكية في طهران، التي استمرت 444 يومًا، حيث تعلم النظام الإيراني الجديد كيف يحول عامل الوقت، والضغط النفسي، والإعلام، إلى أوراق قوة سياسية، لترسخ لدى الغرب قناعة بأن الإيرانيين لا يتفاوضون وفق القواعد التقليدية، بل ينظرون إلى التفاوض باعتباره عملية مستمرة وليست محطة نهائية.

 

غير أن السمعة العالمية للمفاوض الإيراني تبلورت بصورة أوضح خلال أزمة البرنامج النووي الممتدة بين عامي 2003 و2015. فعلى مدار أكثر من اثني عشر عامًا، تعاقبت الإدارات الأمريكية والحكومات الأوروبية، وتوالت العقوبات والتهديدات العسكرية، بينما بقي الوفد الإيراني حاضرًا على طاولة المفاوضات بالهدوء نفسه، والأسلوب ذاته، حتى أصبحت صورة "المفاوض الصبور" جزءًا ثابتًا في الوعي السياسي الدولي؛ ذلك الذي يرهق خصومه بطول النفس بينما يواصل التفاوض بلا استعجال.

 

الإرث الفارسي أم تجربة الثورة؟.. الجذور الفكرية للدبلوماسية الإيرانية

 

عند محاولة تفسير "العقيدة التفاوضية" الإيرانية، يربط كثير من الباحثين بين السلوك السياسي الحالي لإيران وإرثها الإمبراطوري الفارسي. ففي كتابه "النظام العالمي"، يرى هنري كيسنجر أن بلاد فارس لم تنظر إلى نفسها تاريخيًا باعتبارها مجرد دولة، بل باعتبارها مركزًا للحضارة والإنجاز الإنساني، حتى إن ملوكها حملوا لقب "شاهنشاه" أي "ملك الملوك"، وهو ما انعكس في تقاليد دبلوماسية تقوم على الصبر وطول النفس والتأثير النفسي في الخصوم.

 

لكن قراءة أكثر تأنّيًا تشير إلى أن هذا الربط الممتد عبر ألفي عام قد يحمل قدرًا من المبالغة؛ إذ شهدت إيران تحولات ثقافية وسياسية عميقة عبر تاريخها، ولم تتبلور القومية الإيرانية الحديثة إلا خلال القرن العشرين، متأثرة بصعود القوميات الأوروبية. ومن ثم، فإن الصورة التي يحملها الإيرانيون عن أنفسهم اليوم لا تقوم فقط على الاعتزاز بالماضي الإمبراطوري، بل تتشكل أيضًا من شعور متراكم بالمظلوميات التاريخية وتجارب التدخلات الأجنبية التي عاشتها البلاد خلال فترات ضعفها.

 

وعمليًا، لم تتحول هذه العناصر إلى عقيدة تفاوضية متكاملة إلا بعد عام 1979، حين أصبحت المفاوضات جزءًا من بنية النظام السياسية وأحد أدوات بقائه. ثم تطور هذا النهج عبر محطات مفصلية، بدأت بأزمة الرهائن الأمريكية، مرورًا بصفقة "إيران-كونترا"، ثم مفاوضات إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، وصولًا إلى المفاوضات النووية الطويلة، التي شكلت ذروة هذا التطور. وقبل تلك المرحلة، لم يكن الإعلام الغربي يتحدث عن "أسلوب تفاوض إيراني خاص"، لكن بعد الاتفاق النووي، أصبحت أدبيات "النفس الطويل" وصفًا ملازمًا لأي حديث عن الدبلوماسية الإيرانية.

 

كما تستند هذه السياسة إلى مرتكز ديني وثقافي يمنح قيمة كبيرة لفكرة "المقاومة والصمود" في مواجهة ما تصفه طهران بـ"الاستكبار العالمي". وفي هذا الإطار، تحضر ثنائية رمزية في الخطاب الإيراني؛ إذ تُستدعى "روح الحسين" رضي الله عنه بوصفها رمزًا للتضحية والصمود عند المواجهة، بينما تُستحضر "روح الحسن" رضي الله عنه عندما تقتضي المصلحة السياسية اللجوء إلى المصالحة والمناورة والتفاوض مع الخصوم.

 

"أسلوب البازار".. لماذا يشبه الإيرانيون مفاوضاتهم بحياكة السجاد؟

 

يشرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في كتابه "قوة التفاوض"، أن التفاوض يمثل أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، مؤكدًا أن النهج المعروف عالميًا باسم "أسلوب البازار" يقوم على المساومة المتواصلة، والصبر، وطول الوقت، والمتابعة الدقيقة لكل تفصيل.

 

ويشير عراقجي إلى أن هذا الأسلوب اكتسب شهرته من ملاحظة السياح لطريقة التفاوض مع تجار السجاد في الأسواق الإيرانية، حيث لا تُحسم الصفقة سريعًا، بل تمر بجولات طويلة من الأخذ والرد. ولهذا يُطلق عليه أحيانًا "أسلوب تاجر السجاد"، أو "حائك السجاد"، في إشارة إلى أن نسج السجادة الفارسية نفسها يحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ والدقيق، وهو التشبيه الذي يعكس، في نظر الإيرانيين، فلسفة كاملة في إدارة التفاوض، تقوم على الصبر، وعدم التسرع، واستثمار الوقت باعتباره أحد أهم عناصر القوة.

 

المساومة بلا نهاية.. التكرار والعناد حتى آخر لحظة

 

ويكشف عراقجي أن المبدأ الأساسي في المساومة هو التكرار ثم التكرار ثم التكرار، يلي ذلك العناد والثبات على الهدف مع تغيير الأسلوب حتى يتحقق المطلوب. ويشبّه التفاوض بساحة حرب أو بحقل ألغام، حيث قد يقود أقل خطأ إلى الهلاك، خلافًا للصورة الرومانسية التي يتخيلها الناس عن مفاوضات يجلس فيها أشخاص متأنقون حول طاولة واحدة.

 

وقد نقل عن وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو قوله إن الإيرانيين هم أصعب المفاوضين، مشبّهًا أسلوبهم ببائع سيارة يتفاوض معك شهرًا كاملًا على السعر، ثم عندما يحين موعد التسليم تكتشف فجأة أنها بلا إطارات، فيجيبك بأنك لم تطلب الإطارات أصلًا، لتبدأ جولة تفاوض جديدة، ثم تتكرر القصة مع بقية أجزاء السيارة.

 

وفي السياق نفسه، تروي ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأمريكيين ونائبة وزير الخارجية الأمريكية السابقة، في مذكراتها "ليس لضعاف القلوب: دروس في الشجاعة والقوة والمثابرة"، أن الإيرانيين غضبوا منها بعدما قالت إن الخداع جزء من جيناتهم. وشبّهت شيرمان التفاوض معهم بمكعب "روبيك"، إذ إن تعديل وجه واحد يؤدي إلى اختلال بقية الوجوه، ما يفرض إعادة ترتيبها جميعًا من جديد.

 

وتقول إن هذه السمة تكاد تكون ثابتة في التفاوض الإيراني؛ فكلما بدا الاتفاق قريبًا ظهر عنصر جديد يعيد الأمور إلى نقطة معقدة. ومن كثرة استخدامها تشبيه مكعب "روبيك"، صمم أحد الخبراء التقنيين في فريقها نسخة خاصة من اللعبة وضع على كل مربع فيها عبارة من عبارات التفاوض، ثم صُنعت نسخ أخرى لأعضاء الوفد، ولا تزال إحداها معروضة في مركز الدبلوماسية بوزارة الخارجية الأمريكية كتذكار لمفاوضات الاتفاق النووي.

 

وتضيف شيرمان أن الاتفاق كان عبارة عن شبكة متداخلة من القضايا؛ من آليات التحقق من التزام إيران، إلى عدد أجهزة الطرد المركزي وأنواعها، مرورًا بآلية إعادة فرض العقوبات عند الإخلال بالاتفاق. ولذلك لم يكن بالإمكان حسم أي ملف بمعزل عن الآخر، فكل تعديل كان يستدعي إعادة حساب بقية البنود، وإعادة التشاور مع جميع الأطراف. وتروي أن إحدى الجلسات امتدت حتى الثالثة فجرًا، بينما كان محامون يتجادلون لساعات حول كلمة واحدة في فقرة واحدة، ولذلك كانت تردد أمام الصحفيين: "لا شيء يُعد منتهيًا حتى ينتهي كل شيء".

 

واشتهر الإيرانيون أيضًا بإغراق خصومهم في التفاصيل الدقيقة، ومناقشة كل كلمة وكل تعبير، بل وربما الانسحاب في اللحظات الأخيرة بصورة مفاجئة. كما يتحركون ضمن إستراتيجية أوسع لا تقتصر على طاولة التفاوض، بل تمتد إلى الميدان؛ إذ تزداد الضغوط العسكرية أو الأمنية كلما اقتربت المفاوضات من نهايتها، في محاولة لدفع الخصم إلى تقديم أكبر قدر ممكن من التنازلات قبل الوصول إلى الاتفاق.

 

كما تلعب الانتقادات الداخلية دورًا تفاوضيًا بحد ذاتها؛ فعندما تتقدم المحادثات، ترتفع أصوات التيارات المتشددة الرافضة لأي تنازل، فيستثمر المفاوض الإيراني هذه المواقف لإقناع خصمه بأن هامش حركته محدود، وأنه يحتاج إلى "مكاسب" يستطيع تقديمها للداخل حتى يتمكن من تمرير الاتفاق، لتتحول المعارضة الداخلية إلى ورقة ضغط يستخدمها بدلًا من أن تكون ضغطًا عليه.

 

وتعتمد مراكز القوى في طهران كذلك على توزيع الأدوار؛ فقد يصعّد قائد في الحرس الثوري لهجته العسكرية، بينما يتحدث الرئيس أو وزير الخارجية بنبرة أكثر هدوءًا، في إطار إدارة محسوبة للغموض، واختبار ردود فعل الخصوم، والإبقاء على أكبر مساحة ممكنة للمناورة حتى اللحظات الأخيرة.

 

ويشدد عراقجي في كتابه على أهمية دراسة علم النفس السلوكي وتحليل شخصيات الخصوم، حتى يستطيع المفاوض التحكم في انفعالاته واختيار اللحظة المناسبة لإظهار الغضب أو الهدوء إذا كان ذلك يخدم الهدف التفاوضي. وهو ما أكدته ويندي شيرمان أيضًا، حين قالت إنها تعلمت مع الوقت التمييز بين الانفعالات الحقيقية لظريف وتلك التي كانت جزءًا من أداء تفاوضي محسوب.

 

الزمن.. الورقة التي يراهن عليها الإيرانيون

 

في الأدبيات التقليدية يُنظر إلى الوقت بوصفه إطارًا للتفاوض، أما في التجربة الإيرانية فيُعامل بوصفه أداة تفاوض قائمة بذاتها؛ فكلما امتلك أحد الأطراف قدرة أكبر على الانتظار، ازدادت فرصه في الاستفادة من تغير الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الانتخابية لدى خصمه، وهو ما يُعرف بمفهوم "الصبر الإستراتيجي".

 

ولهذا كثيرًا ما تراهن طهران على عامل الزمن، سواء بانتظار انتخابات أمريكية قد تأتي بإدارة أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات، أو باستغلال الضغوط السياسية التي تواجه المسؤولين الغربيين لإنجاز اتفاق سريع. ومن هنا جاءت اتهامات الحكومات الغربية المتكررة لإيران بالمماطلة وإطالة أمد المفاوضات دون ضرورة، بينما كان المفاوضون الأمريكيون يشكون من السفر عشرات الساعات لتحقيق تقدم محدود، وربما من دون أي نتيجة.

 

ويشرح عراقجي أن المصلحة الوطنية قد تفرض أحيانًا التباطؤ المقصود، مشيرًا إلى أن المفاوضات النووية استغرقت أكثر من عامين تحت ضغوط دولية هائلة، ومع ذلك لم يشعر الوفد الإيراني أنه مضطر للاستعجال.

 

ويضرب مثالًا بالفارق بين وزير الخارجية الإيراني، الذي تفرغ للبقاء في فيينا أسابيع متواصلة، ونظيره الأمريكي جون كيري، المثقل بملفات دولية لا تسمح له بإمضاء كل هذا الوقت في مكان واحد. وقد سجل كيري أطول إقامة لوزير خارجية أمريكي خارج بلاده في موقع تفاوض واحد منذ عقود، بعدما بقي 18 يومًا متواصلًا في العاصمة النمساوية، في واحدة من أطول المفاوضات الدبلوماسية في التاريخ الحديث.

 

ويكشف الأكاديمي تريتا بارسي، في كتابه "خسارة عدو.. أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية"، أن تجاوز المواعيد النهائية لم يكن فشلًا، بل جزءًا من قواعد اللعبة؛ فكل طرف كان يعتقد أن الآخر سيقدم تنازلًا إضافيًا إذا استمر الضغط، ولذلك رُحلت معظم التنازلات الحقيقية إلى الساعات الأخيرة، وسقط الموعد النهائي المحدد أكثر من مرة.

 

واستثمر الإيرانيون هذا الوضع بذكاء؛ ففي الوقت الذي كان فيه الفريق الأمريكي يخضع لضغوط الكونغرس والرئيس باراك أوباما لإنجاز الاتفاق قبل نهاية يونيو، كانت طهران ترسل رسائل هادئة بأنها ليست في عجلة من أمرها. ولخص محمد جواد ظريف هذا الموقف بقوله إن تجاوز الموعد النهائي كان أفضل للطرفين، لأن أي تنازل يُقدم فقط من أجل اللحاق بالموعد كان سيُعرض صاحبه لانتقادات داخلية قاسية.

 

وتصف برناديت ميهان، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي آنذاك، تلك المرحلة بقولها: "كانت أعيننا تنزف"، في إشارة إلى الإرهاق الشديد الذي أصاب الوفد الأمريكي، قبل أن يقدم ظريف في اللحظة الأخيرة عرضًا بدا مقبولًا لجميع الأطراف، لينتهي الأمر باتفاق اعتبرته طهران مناسبًا، بينما حقق أوباما الإنجاز السياسي الذي كان يسعى إليه.

 

وتكرر المشهد، وفق هذا المنطق، خلال الأزمة الأخيرة مع إدارة دونالد ترمب، حيث حاولت إيران تحويل الزمن إلى عنصر ضغط عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بينما ردت واشنطن بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، في محاولة لإعادة توظيف عامل الوقت ضد طهران. ورغم الخسائر، واصلت إيران سياسة الصبر والمماطلة حتى حصلت على اتفاق تضمن مكاسب اعتبرها مراقبون أكبر مما تعكسه موازين القوى.

 

بل وحتى عند توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة، واصل الإيرانيون الضغط لإدخال تعديلات على الصياغة، وأداروا توقيت الإعلان بما يخدم روايتهم السياسية؛ إذ انتظروا حتى الواحدة صباحًا بتوقيت طهران للموافقة الرسمية، بينما كان الوقت لا يزال مساءً في واشنطن، ليمنحوا كل طرف فرصة إعلان "انتصاره" أمام جمهوره.

 

بين الثورة والبراغماتية.. مفاوضات في العلن ورسائل في الخفاء

 

لعل أكثر مفارقات السياسة الإيرانية إثارة للاهتمام هي قدرتها على الجمع بين خطاب ثوري مرتفع السقف وسلوك تفاوضي شديد البراغماتية. فعلى امتداد عقود، دخلت طهران في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة في أكثر من ملف، رغم استمرار لغة العداء في الخطاب الرسمي.

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية "إيران – كونترا"، حين حصلت الجمهورية الإسلامية على أسلحة أمريكية عبر إسرائيل خلال الحرب مع العراق، في الوقت الذي كان فيه الإمام الخميني يرفض علنًا أي تفاوض مع واشنطن. كما بدأت الاتصالات النووية السرية في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، قبل الإعلان عنها رسميًا في عهد حسن روحاني.

 

ورغم الخطاب المتشدد، تلجأ طهران في كثير من الأحيان إلى قنوات خلفية لتجنب التصعيد الواسع مع الحفاظ على صورة التحدي أمام الداخل، كما حدث بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020، حين تحدثت تقارير غربية، وأشار إليها دونالد ترمب، عن تنسيق مسبق للهجوم الإيراني على قاعدة أمريكية في العراق بما يمنع وقوع خسائر بشرية، بينما استمر الخطاب الإيراني يتوعد بانتقام واسع.

 

وتكرر النمط نفسه خلال الأزمة الأخيرة، إذ تحدث ترمب ونائبه جيه دي فانس ومسؤولون أمريكيون عن اتصالات ورسائل إيرانية سرية، في حين واصلت طهران النفي العلني، وحرصت على رفض اللقاءات المباشرة مع الأمريكيين، مفضلة استخدام الوسطاء والرسائل غير المباشرة حفاظًا على الرمزية السياسية التي تمثل جزءًا مهمًا من الثقافة التفاوضية الإيرانية.

 

السمعة وحدها... ورقة تفاوض لا تقل أهمية عن القوة

 

ورغم السمعة التي اكتسبها المفاوض الإيراني عالميًا، فإن التجربة الدبلوماسية الإيرانية لم تكن سلسلة من الانتصارات المتواصلة؛ فقد واجهت طهران قيودًا داخلية، وتعرضت لحربين كبيرتين خلال عامي 2025 و2026 بينما كانت تخوض مسارًا تفاوضيًا مع واشنطن، وهو ما كشف حدود الدبلوماسية عندما يقرر الطرف الآخر اللجوء إلى القوة العسكرية.

 

كما تكشف مذكرات محمد جواد ظريف عن وجود صراعات داخلية على صناعة القرار، وشعوره في أحيان كثيرة بأن هامش الحركة الدبلوماسية تحدده مؤسسات أعلى منه. ويبرز ذلك في استقالته الشهيرة عام 2019، بعدما فوجئ بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران دون علمه، قبل أن يتراجع عنها لاحقًا.

 

ويعترف ظريف أيضًا بأن الدبلوماسيين الإيرانيين في السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية وقعوا في أخطاء كثيرة بسبب قلة الخبرة المؤسسية، وأن الحماسة الثورية لم تكن دائمًا عامل نجاح.

 

ومع ذلك، تبقى السمعة نفسها أحد أهم عناصر القوة؛ فحين تترسخ صورة دولة بأنها تمتلك قدرة استثنائية على إدارة المفاوضات الطويلة وتحمل الضغوط، تتحول هذه الصورة إلى ورقة تفاوضية بحد ذاتها.

 

ولذلك، فإن سر قوة المفاوض الإيراني لا يكمن في امتلاك وصفة سحرية، بل في نظرته إلى التفاوض باعتباره امتدادًا للصراع، لا طريقًا سريعًا لإنهائه. فالصبر، وإدارة الزمن، وتحمل الكلفة، واختبار جميع الاحتمالات قبل الوصول إلى الاتفاق، تحولت مع مرور العقود من مجرد تكتيكات سياسية إلى جزء أصيل من الهوية الدبلوماسية الإيرانية، حتى غدت القدرة على الاحتمال وإدارة الوقت تُقرأ لدى كثيرين بوصفها أحد أبرز أسرار "المدرسة الإيرانية" في التفاوض.