بعد مرور ألف يوم على الحرب، تكشف الأرقام الواردة في التقارير عن حجم غير مسبوق من الدمار الإنساني والعمراني والاقتصادي في قطاع غزة، في وقت تتسع فيه تداعيات الحرب داخل دولة الاحتلال نفسها، مع ارتفاع أعداد المصابين من الجنود وأفراد الأجهزة الأمنية، وتزايد الحالات النفسية والجسدية التي تحتاج إلى علاج وتأهيل طويل الأمد.

 

وخلال هذه الفترة، تعرض قطاع غزة لانهيار واسع طال المستشفيات والمدارس والمنازل ودور العبادة وشبكات المياه والكهرباء والطرق والقطاع الزراعي، بينما واجه السكان النزوح والجوع ونقص الدواء والرعاية الصحية، وسُجلت عشرات الآلاف من حالات الإصابة والبتر والشلل وفقدان البصر، إلى جانب أعداد كبيرة من الأيتام والأرامل والمرضى المحرومين من العلاج.

 

وفي المقابل، أظهرت بيانات وزارة الحرب الإسرائيلية أن آثار الحرب لم تقتصر على قطاع غزة، بعدما بلغ عدد مصابي الجيش والأجهزة الأمنية الذين توجهوا للعلاج في قسم التأهيل خلال ألف يوم نحو 26,200 مصاب ومصابة، فيما يعاني 65% منهم ضائقة نفسية أو اضطرابات ما بعد الصدمة، وسط توقعات بارتفاع أعداد المصابين من جميع الحروب إلى أكثر من 90 ألفاً خلال عام 2026.

 

غزة تحت الركام.. انهيار الصحة والتعليم والسكن وملايين الإصابات

 

تكشف الأرقام عن أزمة إنسانية ممتدة طالت مختلف جوانب الحياة في قطاع غزة، حيث فقد 43% من مرضى الكلى حياتهم نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية، وسُجلت أكثر من 12 ألف حالة إجهاض بين النساء الحوامل، إضافة إلى وفاة 28 شخصاً بسبب البرد داخل مخيمات النزوح القسري، بينهم 25 طفلاً.

 

وبلغ عدد الجرحى والمصابين الذين وصلوا إلى المستشفيات 173,514 شخصاً، بينهم أكثر من 19 ألف مصاب يحتاجون إلى تأهيل طويل الأمد، بينما تم تسجيل أكثر من 5,400 حالة بتر، كان الأطفال يمثلون 18% منها، إلى جانب 1,500 حالة شلل و1,200 حالة فقدان بصر، فضلاً عن إصابة 433 صحفياً.

 

كما تعرض 362 من أفراد الطواقم الطبية للاعتقال، لا يزال 83 منهم قيد الاعتقال، في حين بلغ عدد الأرامل نتيجة الحرب 26,370 أرملة، ووصل عدد الأطفال الأيتام إلى 58,800 طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، بينهم 2,700 فقدوا الأب والأم معاً، و6,100 فقدوا أمهاتهم، و50 ألفاً فقدوا آباءهم.

 

وتفاقمت الأوضاع الصحية مع تسجيل أكثر من 2.142 مليون إصابة بأمراض معدية مختلفة نتيجة النزوح القسري، إضافة إلى أكثر من 71,338 إصابة بمرض الكبد الوبائي، في وقت تعرض فيه القطاع الصحي لدمار واسع.

 

وبحسب الأرقام، جرى قصف أو تدمير أو إخراج 38 مستشفى من الخدمة، إضافة إلى 96 مركزاً للرعاية الصحية، بينما استُهدفت 197 سيارة إسعاف، ونُفذ 788 هجوماً على خدمات الرعاية الصحية، بما يشمل المنشآت والمركبات والكوادر وسلاسل الإمداد.

 

كما دُمّرت كلياً أو جزئياً 84 مركبة للدفاع المدني، إلى جانب تدمير 16 مركزاً تابعاً له، ما ضاعف من صعوبة عمليات الإنقاذ والاستجابة للحالات الإنسانية.

 

وامتد الدمار إلى قطاع التعليم، حيث تعرضت جميع مدارس غزة لأضرار مادية بنسبة 100% نتيجة القصف المباشر وغير المباشر، بينما تحتاج 81% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، وتقع 40% منها داخل ما يسمى «الخط الأصفر»، في حين تعرض 80 مبنى مدرسياً لقصف مباشر.

 

كما تعرضت 17 مؤسسة للتعليم العالي للتدمير الكلي أو الجزئي، وقُتل أكثر من 20,051 طالباً، واضطر أكثر من 19,886 طالباً إلى مغادرة قطاع غزة خلال الحرب، بينما حُرم أكثر من 620 ألف طالب مدرسي وأكثر من 90 ألف طالب جامعي من التعليم.

 

وأسفرت الحرب كذلك عن مقتل أكثر من 830 معلماً وكادراً تربوياً، إضافة إلى 194 عالماً وأكاديمياً وباحثاً، لتتسع خسائر القطاع التعليمي على مستوى البشر والمنشآت معاً.

 

وفي ملف السكن، بلغ إجمالي المباني المتضررة 227,703 مبانٍ، بينما وصل عدد الوحدات السكنية المتضررة إلى 510 آلاف وحدة، وتم تدمير 335 ألف مبنى ووحدة سكنية بشكل كلي، إضافة إلى 75 ألف وحدة دمرت جزئياً وأصبحت غير صالحة للسكن.

 

وبذلك بلغ إجمالي المباني والوحدات المدمرة أو غير الصالحة للسكن نحو 410 آلاف، فيما تعرضت أكثر من 100 ألف وحدة سكنية لأضرار جزئية قابلة للسكن.

 

وتحتاج أكثر من 350 ألف أسرة إلى الإيواء، بينما أصبحت أكثر من 132 ألف خيمة غير صالحة للإقامة من أصل 135 ألف خيمة، وتعرض أكثر من مليوني مدني للنزوح القسري، في حين استُهدف 346 مركزاً للإيواء.

 

أطفال مهددون بالموت وخسائر بـ85 مليار دولار

 

تزامن الدمار العسكري مع مخطط صهيوني إجرامي وحشي لتجويع الفلسطينين في غزة، في ظل استمرار الإغلاق الكامل للمعابر لأكثر من 650 يوماً، ومنع دخول أكثر من 390 ألف شاحنة مساعدات إنسانية ووقود.

 

كما تعرضت 48 تكية طعام و64 مركزاً لتوزيع المساعدات والغذاء للاستهداف، وقُتل 556 من العاملين والمبادرين في مجال الإغاثة، إضافة إلى استهداف 128 قافلة مساعدات وإرسالية إنسانية.

 

ووفق الأرقام الواردة، سقط 2,605 شهداء و19,124 مصاباً، إضافة إلى أكثر من 200 مفقود، في ما وصفها التقرير بـ«مصائد الموت» المرتبطة بمراكز المساعدات الأمريكية والإسرائيلية وطالبي المساعدات.

 

وفي ظل هذه الظروف، يواجه نحو 650 ألف طفل خطر الموت بسبب سوء التغذية والجوع، بينما يواجه 40 ألف رضيع دون سن العام خطر الموت بسبب نقص حليب الأطفال.

 

كما يحتاج أكثر من 22 ألف مريض إلى العلاج خارج قطاع غزة، لكنهم ممنوعون من السفر، فيما يحتاج أكثر من 5,200 طفل إلى إجلاء طبي عاجل.

 

ويواجه 12,500 مريض سرطان خطر الوفاة، إلى جانب 350 ألف مريض مزمن يواجهون خطراً بسبب منع دخول الأدوية، و3,000 مريض بحاجة إلى العلاج في الخارج، فضلاً عن تعرض نحو 107 آلاف سيدة حامل ومرضعة للخطر في ظل غياب الرعاية الصحية.

 

وامتدت عمليات التدمير إلى المياه والكهرباء، إذ دُمرت 725 بئر مياه مركزية، واستُهدف 134 مشروعاً للمياه العذبة، كما دُمرت 5,080 كيلومتراً من شبكات الكهرباء، و2,285 محول توزيع كهرباء، و235 ألف عداد كهرباء للمشتركين.

 

وحُرم قطاع غزة من أكثر من 2.123 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء طوال الحرب، بينما دُمر أكثر من 700 ألف متر طولي من شبكات المياه، ومثلها من شبكات الصرف الصحي، إلى جانب أكثر من ثلاثة ملايين متر من الطرق والشوارع.

 

كما شمل الدمار 253 مقراً حكومياً، و292 منشأة وملعباً وصالة رياضية، و208 مواقع أثرية وتراثية

 

وفي القطاع الزراعي، تم تدمير أكثر من 87% من الأراضي الزراعية من أصل 182,247 دونماً، إلى جانب 8,700 بئر زراعية، و7,748 مزرعة للأبقار والأغنام والدواجن، وأكثر من 87% من الدفيئات الزراعية.

 

وتراجع إنتاج الخضروات والفواكه من 524 ألف طن سنوياً إلى نحو 20 ألف طن فقط، بينما قُتل أكثر من 69 ألف رأس من الحيوانات، وتضررت 99% من الثروة السمكية نتيجة استهداف مناطق الصيد.

 

تدمير المساجد وقتل الأئمة واستهداف الكنائس

 

ولم تقتصر الخسائر على القطاعات الصحية والسكنية والزراعية، إذ تعرضت دور العبادة والمقابر لدمار واسع، مع تدمير 1,047 مسجداً بشكل كامل من أصل 1,275 مسجداً، وتدمير 210 مساجد جزئياً، واستهداف ثلاث كنائس أكثر من مرة.

 

كما قُتل 312 إمام مسجد وخطيب ومحفظ قرآن وداعية، بينما بلغ عدد الأسرى والمفقودين من هذه الفئة 37 شخصاً، إضافة إلى مقتل 20 شخصاً من أبناء الطائفة المسيحية.

 

ودُمّرت 40 مقبرة من أصل 60 مقبرة، وسُرق أكثر من 2,450 جثماناً، كما أُقيمت سبع مقابر جماعية داخل المستشفيات، وانتُشل منها 529 شهيداً.

 

وعلى المستوى الاقتصادي، قُدرت الخسائر الأولية المباشرة في 15 قطاعاً حيوياً بنحو 80 مليار دولار، بينما يشير عنوان التقرير إلى خسائر وصلت إلى 85 مليار دولار.

 

وتوزعت الخسائر بين نحو 6 مليارات دولار للقطاع الصحي، و4 مليارات للتعليم، و34 ملياراً للإسكان، ومليار دولار للقطاع الديني، و4 مليارات للصناعة، و5 مليارات للتجارة، و4 مليارات للزراعة، ومليار للإعلام.

 

كما شملت الخسائر ملياري دولار لقطاع الترفيه والفنادق، و5 مليارات للقطاع المنزلي، و3 مليارات للاتصالات والإنترنت، و3 مليارات للنقل والمواصلات، وملياري دولار للكهرباء، و6 مليارات لقطاع الخدمات والبلديات.

 

26 ألف مصاب بين جنود الاحتلال.. والاضطرابات النفسية تتصدر آثار الحرب

 

في الوقت الذي تكشف فيه الأرقام عن اتساع الكارثة في قطاع غزة، أظهرت بيانات وزارة الحرب الإسرائيلية حجم الخسائر البشرية والنفسية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية للاحتلال بعد مرور ألف يوم منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023.

 

وبحسب بيانات قسم التأهيل، بلغ عدد مصابي الجيش والأجهزة الأمنية الذين توجهوا للعلاج خلال ألف يوم نحو 26,200 مصاب ومصابة، فيما يعاني 65% منهم من ضائقة نفسية أو اضطرابات ما بعد الصدمة.

 

وتوقعت الوزارة أن يتجاوز إجمالي عدد مصابي الجيش وأجهزة الأمن من جميع الحروب 90 ألفاً خلال عام 2026، في ارتفاع يزيد على 40% خلال ثلاث سنوات.

 

كما قدرت أن يصل العدد الإجمالي للمتلقين للعلاج في قسم التأهيل إلى نحو 100 ألف مصاب بحلول عام 2028، بينهم نحو 50 ألفاً يعانون من إصابات نفسية.

 

ومن بين مصابي الحرب الحالية، يعاني نحو 17 ألفاً من إصابات نفسية تشمل اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق وصعوبات التأقلم والاكتئاب، فيما يجمع نحو 7,700 شخص بين الإصابات الجسدية والنفسية.

 

وفي المقابل، يعاني نحو 9 آلاف من المتلقين للعلاج من إصابات جسدية فقط، بينهم 97 مصاباً تعرضوا لبتر أطراف.

 

وأظهرت بيانات التوزيع أن 62% من المصابين ينتمون إلى قوات الاحتياط، و21% من الخدمة النظامية، و10% من الشرطة الإسرائيلية، و7% من الخدمة الدائمة في الجيش.

 

كما أن 48% من المتلقين الجدد للعلاج هم من الشباب دون سن الثلاثين، بينما تتراوح أعمار 30% منهم بين 30 و39 عاماً، في حين تبلغ نسبة من تجاوزوا الأربعين 22%.

 

ومع تصاعد أعداد المصابين، وسع قسم التأهيل خدماته خلال الحرب، ليشمل نحو 4 آلاف معالج نفسي، وهو ما يعادل أربعة أضعاف العدد المسجل في بداية الحرب.

 

كما أضيفت خدمات نفسية جديدة، من بينها وحدة متنقلة للعلاج النفسي في حالات الأزمات والضائقة، إلى جانب قسم تمريضي مخصص للشباب.

 

ورغم هذا التوسع، أكدت وزارة الحرب الإسرائيلية أن حجم المصابين يحتاج إلى استجابة أوسع، في ظل استمرار ارتفاع أعداد المتوجهين للعلاج النفسي والجسدي، وتحول ملف تأهيل المصابين إلى أحد الأعباء المتزايدة التي خلّفتها الحرب على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

 

وهكذا، ترسم أرقام ألف يوم صورة لحرب تركت في قطاع غزة دماراً واسعاً طال الإنسان والعمران والاقتصاد ومقومات الحياة الأساسية، وفي الوقت نفسه فرضت على الاحتلال كلفة بشرية ونفسية متصاعدة داخل جيشه وأجهزته الأمنية، مع استمرار الحاجة إلى العلاج والتأهيل لآلاف المصابين.