في الوقت الذي غطت فيه الفرحة شوارع مصر ليل الجمعة احتفالاً بالإنجاز التاريخي لمنتخب مصر بالتأهل لدور الـ 16 بمونديال 2026، في رابع مشاركة ببطولة كأس العالم لكرة، كان هناك من يخشى من أن تتحول هذه الاحتفالية، والحشود المليونية التي ملأت الشوارع إلى مظاهرات ضد النظام الانقلابي.

 

وظهر ذلك في صدور أوامر للمشجعين في المقاهي بالانصراف سريعًا عقب انتهاء المباراة أمام أستراليا وفوز مصر بركلات الترجيح، كما روى الدكتور عمار علي حسن الخبير في علم الاجتماعي السياسي في منشور عبر حسابه في موقع "فيسبوك".

 

الشرطة تأمر رواد المقاهي بالانصراف 

 

إذ كتب حسن، قائلاً: "عدت إلى المقهى آخر الليلة الفائتة فعرفت من بعض الزبائن أن الشرطة جاءت عقب انتهاء مباراة مصر وأستراليا وطلبت من المحتفلين الانصراف سريعًا".

 

 

وأضاف "بالطبع لم يكن هذا لتيسير المرور، ولا لمنع التشاجر، فالناس كانت في وئام وبهجة، والسيارات نفسها تحولت إلى قاعة أفراح، حين أطلقت أبواقها طربًا، ومد بعض راكبيها أيديهم بأعلام مصر، أو أخرجوا رؤوسهم من نوافذها هاتفين".وتابع حسن: "كان هذا جريًا على غريزة الذعر الساكنة في عقول ونفوس لا تعرف، رغم كل هذه السنين، شيئًا عن نفسية المصريين وعقليتهم، فهم لم يكونوا في أي يوم شعبًا غدارًا، وحتى في انتفاضاتهم وثوراتهم أعلنوا عنها مسبقًا، أو أعطوا إشارات قوية عليها، بعد أن منحوا السلطة فرصًا عديدة للإصلاح، وهم لا يخلطون هذا بذاك، فحين انفجروا غاضبين في انتفاضة الخبز 1977 لم ينتظروا فوزًا في مباراة ليستغلوه في ملء الشوارع بالغاضبين، إنما احتجوا مباشرة على قرار رفع الأسعار، وحين عادت السلطة عنه عادوا هم إلى بيوتهم".

 

مظاهرات 20 سبتمبر

 

لكن على ما يبدو، فإن لتلك المخاوف الأمنية سوابق في مظاهرات انطلقت خلال احتفالات مماثلة، وذلك حين انطلقت الجماهير عقب انتهاء مباراة كأس السوبر المحلي بين الأهلي والزمالك في 20 سبتمبر 2019 إلى الشوارع، حيث استغل المحتجون نهاية المباراة للنزول إلى الشوارع، والتوجه إلى ميدان التحرير وسط هتافات تطالب برحيل قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي.

 

إذا توسطت الجماهير آنذاك الميدان، وهتفوا: "ارحل يا سيسي"، وكان العدد في البداية لم يتجاوز بضع مئات، قبل أن تتزايد الحشود لاحقًا، حتى بدأت الشرطة باستخدام العصي المكهربة والهراوات لضرب المتظاهرين والقبض عليهم وإدخالهم عربات الترحيلات.

 

ومع فرض حصار أمني مشدد وقتها على الميدان الذي مثّل قبلة لملايين المصريين إبان ثورة 25 يناير، اشتعلت التظاهرات خارجه وعلى حدوده، وفي ميادين قريبة مثل ميدان عبد المنعم رياض. وانتشر عدد كبير من الشباب على الأرصفة انتظارًا لانضمام الآخرين. 

 

في الوقت الذي أمرت فيه الشرطة بغلق محلات ومقاهي قريبة للميدان، وجابت عربات الشرطة الشوارع الخلفية، بعضهم بزي مدني، بحثًا عن أي تجمعات للمتظاهرين.

 

دعوات للتظاهر ضد فساد النظام 

 

وجاءت المظاهرات وقتها عقب سلسلة فيديوهات نشرها المقاول والممثل المقيم في إسبانيا محمد علي، تتضمن اتهامات للنظام الانقلابي بإهدار المال العام في بناء قصور رئاسية ومشاريع غير أساسية، ودعا المصريين للتظاهر عقب مباراة الأهلي والزمالك.

 

وتزامنت الدعوات وقتها مع حالة من الاحتقان الشعبي بسبب إجراءات التقشف الاقتصادية وارتفاع الأسعار، ولم تقتصر الاحتجاجات على القاهرة فقط، بل امتدت لتشمل عدة مدن ومحافظات أخرى، أبرزهاالإسكندرية حيث خرجت تجمعات في بعض الميادين بالمحافظة، وكذا شهدت السويس وغزل المحلة ودمياط والمنصورة وقفات وهتافات مماثلة.

 

وعلى ما يبدو، فإن ما حدث في ذلك اليوم لازال ماثلاً في أذهان الأجهزة الأمنية، خوفًا من تحول الاحتفالات المليونية إلى مظاهرات حاشدة تخرج عن السيطرة، وهو ما يفسر إعطاء تعليمات بمغادرة المقاهي التي اكتظت بالمشجعين ليل الجمعة، حيث تظل التجمعات الحاشدة تمثل كابوسًا للنظام وأجهزته، في ظل حالة الاحتقان الشعبي، واستمرار سياسة القمع والانتهاكات بعد 13 عامًا من الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.