أعادت القضية التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الماضية، والمتعلقة بالطبيبة والمخرجة أمنية سويدان، فتح نقاش واسع حول العلاقة بين حرية التعبير، وحق المواطنين والعاملين في القطاع الصحي في الإبلاغ عن التجاوزات، وحدود المسؤولية القانونية عند نشر اتهامات تتعلق بمؤسسات عامة، وذلك بعد صدور حكم من محكمة الجنح الاقتصادية بالإسكندرية بحبسها 6 أشهر مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، وتغريمها 20 ألف جنيه، مع إدانتها في اتهامين يتعلقان بنشر أخبار وبيانات كاذبة عبر الإنترنت بشأن مستشفى الشاطبي الجامعي، وبراءتها من تهمة الاعتداء على قيم الأسرة.

 

حكم قضائي بعد أسابيع من التحقيقات


جاء الحكم الصادر عن المحكمة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"قضية مستشفى الشاطبي"، بعد أسابيع من التحقيقات التي بدأت عقب القبض على أمنية سويدان من منزلها بمدينة دمنهور في محافظة البحيرة يوم 16 يونيو الماضي، إثر بلاغ تقدم به مدير الشؤون القانونية بمستشفيات جامعة الإسكندرية بسبب منشور نشرته الطبيبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وتناول المنشور شهادة شخصية قالت إنها تستند إلى ما شاهدته خلال فترة تدريب الامتياز التي قضتها بقسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي خلال عامي 2020 و2021، متضمنًا روايات عن ممارسات وصفتها بأنها تمثل انتهاكات بحق عدد من السيدات داخل المستشفى.

 

وبعد أيام من القبض عليها، أحالت النيابة العامة الطبيبة إلى المحاكمة العاجلة، ووجهت إليها ثلاثة اتهامات، انتهت المحكمة إلى إدانتها في اثنين منها، يتعلقان بنشر وإذاعة أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة واستخدام حساب على شبكة معلوماتية لارتكاب الجريمة، بينما قضت ببراءتها من الاتهام الثالث.

 

ما الذي قالته الطبيبة؟


أثارت رواية سويدان اهتمامًا واسعًا، بعدما تضمنت اتهامات بوقوع تجاوزات داخل قسم النساء والتوليد، من بينها ادعاءات بشأن التحرش بإحدى المريضات أثناء الولادة، والتعدي اللفظي والجسدي على أخريات، وإجراء عمليات قيصرية دون ضرورة طبية، وإجبار بعض السيدات على الولادة الطبيعية رغم ظروفهن الصحية، فضلًا عن الحديث عن اشتراط موافقة أحد الأقارب الذكور قبل إدخال مريضة إلى العناية المركزة.

 

وأكدت الطبيبة خلال التحقيقات أنها كتبت ما نشرته استنادًا إلى مشاهداتها أثناء فترة الامتياز، موضحة أنها اعتقدت في ذلك الوقت أن بعض الممارسات التي شاهدتها غير معتادة أو مخالفة للأصول الطبية، وذلك بحكم حداثة خبرتها العملية.

 

رواية النيابة وإدارة المستشفى


في المقابل، أوضحت النيابة العامة في بياناتها أن مدير الشؤون القانونية للمستشفى أكد خلال التحقيقات عدم تلقي إدارة المستشفى أي شكاوى رسمية من المرضى بشأن الوقائع التي تحدثت عنها الطبيبة.

 

كما استندت النيابة إلى إقرار المتهمة بكتابتها المنشور محل الاتهام، معتبرة أن ما نشرته تضمن معلومات غير ثابتة من شأنها إثارة البلبلة والإضرار بالمؤسسة الطبية.

 

الدفاع: توجد دعاوى أخرى ضد المستشفى


وخلال جلسات المحاكمة، حاول فريق الدفاع تدعيم موقف الطبيبة بالإشارة إلى وجود دعوى قضائية أخرى مقامة ضد مستشفى الشاطبي، تتهم فيها إحدى السيدات المستشفى بالتسبب في إصابتها بعاهة مستديمة عقب عملية استئصال رحم.

 

واعتبر الدفاع أن وجود مثل هذه الدعوى يعكس أن هناك شكاوى بالفعل تتعلق بأداء المستشفى، مطالبًا بعدم الاقتصار على محاكمة من أبلغ عن الوقائع، وإنما التحقيق في مضمون ما ورد بشهادتها.

 

ماذا يعني وقف تنفيذ العقوبة؟


رغم صدور حكم بالحبس لمدة ستة أشهر، فإن المحكمة أمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يعني أن الطبيبة لن تنفذ عقوبة الحبس ما دامت ملتزمة بالشروط القانونية خلال فترة الإيقاف.

 

ويمنح قانون العقوبات للمحاكم سلطة وقف تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية إذا لم تتجاوز مدة الحبس سنة، وكان للمحكمة ما يدعو للاعتقاد بأن المحكوم عليه لن يعود إلى ارتكاب جريمة مماثلة.

 

ويظل الحكم قائمًا من الناحية القانونية، إلا أن تنفيذ العقوبة يظل معلقًا طوال مدة الإيقاف، مع إمكانية إلغائه إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة جديدة بالشروط التي يحددها القانون.

 

القضية تثير جدلًا حقوقيًا


لم تتوقف تداعيات القضية عند أروقة المحاكم، بل امتدت إلى منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية التي اعتبرت الحكم مناسبة لإعادة طرح قضية حرية التعبير والإبلاغ عن المخالفات داخل المؤسسات العامة.

 

وأكدت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر يثير مخاوف تتعلق باستخدام القانون الجنائي في مواجهة الآراء أو الشهادات المرتبطة بالشأن العام.

 

كما شددت المنظمة على ضرورة أن تخضع أي ادعاءات تتعلق بانتهاكات أو ممارسات قد تمس سلامة المرضى لتحقيقات مستقلة وشفافة، بما يضمن الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت وقوع مخالفات، مع توفير حماية قانونية للمبلغين الذين يتصرفون بحسن نية.

 

وسبق ذلك مطالبة مؤسسة المرأة الجديدة بإسقاط الاتهامات الموجهة للطبيبة، وفتح تحقيق مستقل في الوقائع التي أوردتها، إلى جانب إصدار تشريع يوفر حماية قانونية للشهود والمبلغين، واستحداث آليات آمنة لتلقي شكاوى المرضى والعاملين داخل المستشفيات.

 

بين حرية التعبير وحماية السمعة


تعكس القضية إشكالية قانونية متكررة تتمثل في كيفية الموازنة بين حق الأفراد في التعبير عن وقائع يرون أنها تمس المصلحة العامة، وبين حق المؤسسات والأشخاص في حماية سمعتهم من المعلومات غير الصحيحة.

 

فالمدافعون عن حرية التعبير يرون أن الإبلاغ عن المخالفات يمثل إحدى وسائل مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة.