فجعت قوات الأمن المصرية المتظاهرين السلميين في شارع المشير بمنطقة سيدي جابر بالإسكندرية في شهر يوليو من عام 2013 مرتكبة مجزرة دموية أسفرت عن استشهاد 15 مواطنا وإصابة 200 آخرين برصاص حي وقمع وحشي تجاوز كل الخطوط الحمراء الإنسانية والأخلاقية المعهودة.
وبالتالي تطل علينا الذكرى 13 لهذه الجريمة النكراء لتكشف زيف الادعاءات الرسمية التي حاولت طمس الحقيقة وتبرير القتل العمد بمساندة البلطجية التابعين للنظام في مشهد يعكس رغبة السلطة في سحق أي صوت يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية.
كما أن المشاهد الموثقة لتلك اللحظات الدامية لا تزال محفورة في ذاكرة السكندريين الذين شهدوا كيف تحولت الشوارع إلى ساحات حرب غير متكافئة استهدفت صدور العزل الطامحين لاستعادة مسار الديمقراطية المسلوب بقوة السلاح والبطش الأمني الغاشم.
لزيادة المعاناة لم تكتف السلطات بإراقة الدماء بل شنت حملة اعتقالات مسعورة طالت 75 شابا من الناجين الذين وجدوا أنفسهم خلف القضبان بتهم ملفقة تهدف إلى معاقبتهم على شجاعتهم في مواجهة آلة القمع العسكرية والسياسية الظالمة.
لذلك يرى الحقوقي خلف بيومي مدير مركز الشهاب أن ما حدث في سيدي جابر كان تصفية جسدية متعمدة تلتها محاكمات هزلية تفتقر لأدنى معايير العدالة الدولية حيث صدرت أحكام جائرة بالمؤبد ضد شباب لم يرتكبوا أي جرم.
استبداد القضاء وشرعنة القتل
ومن ثم استمر النظام في استخدام القضاء كأداة للبطش السياسي عبر إصدار أحكام بالسجن لمدد تصل إلى 15 عاما ضد المتظاهرين بينما أفلت الجناة الحقيقيون من ضباط وبلطجية من أي محاسبة قانونية في تكريس صريح للإفلات من العقاب.
علاوة على ذلك تؤكد التقارير الحقوقية أن الانتهاكات التي وقعت في الإسكندرية مثلت حلقة أولى في سلسلة من المجازر التي تلتها لترسيخ حكم الفرد الواحد وإخضاع الشعب المصري لسياسة الترهيب الممنهج التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
بناء على ذلك يشدد الناشط الحقوقي بهي الدين حسن على أن غياب المحاسبة في قضية سيدي جابر شجع الأجهزة الأمنية على التمادي في استخدام العنف المفرط ضد المعارضين مما حول مصر إلى سجن كبير يفتقد لأبسط الحقوق.
إضافة إلى ذلك فإن الظروف المأساوية التي يعيشها المعتقلون داخل السجون تعكس حقد النظام وانتقامه من جيل الثورة الذي رفض الانقلاب على إرادة الشعب وتمسك بمبادئ الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية التي ضحى من أجلها الشهداء الأبرار.
وفضلا عن ذلك يرفض أهالي الشهداء والمصابين سياسة الأمر الواقع التي يحاول النظام فرضها متجاهلا دماء أبنائهم التي سالت في شوارع الإسكندرية ومصرا على الاستمرار في نهج القمع والاعتقال التعسفي الذي دمر حياة مئات الأسر المصرية.
غير أن الإرادة الشعبية لا تزال حية رغم مرور سنوات القمع الطويلة حيث يحيي المصريون هذه الذكرى للتأكيد على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم وأن القصاص العادل من القتلة والمحرضين يظل مطلبا أساسيا لا تنازل عنه أبدا.
تبعا لذلك يوضح المحامي الحقوقي جمال عيد أن تلفيق الاتهامات للمتظاهرين في سيدي جابر كان محاولة يائسة لتشويه الحراك السلمي ووصمه بالإرهاب لشرعنة القمع الدموي الذي مارسته قوات الأمن والجيش ضد المواطنين المطالبين بحقوقهم المشروعة قانونا.
وحيث إن القمع لم يتوقف عند حدود الرصاص بل امتد ليشمل حصارا اقتصاديا واجتماعيا على عائلات المعتقلين فإن المأساة تتفاقم يوما بعد يوم في ظل صمت دولي مخز يشجع السلطة على الاستمرار في انتهاكاتها الصارخة للحقوق والحريات.
نتيجة لذلك تحولت ذكرى 5 يوليو إلى رمز للمقاومة والصمود في وجه الطغيان الذي يظن واهما أن القتل والاعتقال يمكن أن يطفئ شعلة الحرية في نفوس الشباب الذين عاهدوا الشهداء على مواصلة الطريق حتى النصر والعدل.
بالإضافة إلى ما سبق فإن الروايات التي ينقلها الناجون من المذبحة تكشف عن حجم الوحشية التي تعاملت بها القوات الأمنية مع المتظاهرين حيث تم استهداف الرؤوس والصدور بشكل مباشر لضمان إيقاع أكبر عدد من القتلى والمصابين.
دماء الإسكندرية وصمة عار النظام
وعلى الرغم من محاولات الإعلام التابع للسلطة تزييف الحقائق وتصوير الضحايا كجناة فإن الأدلة الدامغة ومقاطع الفيديو تؤكد تورط أجهزة الدولة في التخطيط والتنفيذ لهذه المجزرة التي ستبقى وصمة عار في تاريخ المؤسسة العسكرية والأمنية المصرية.
بالمقابل يرى مراقبون أن صمود الشباب المعتقلين رغم الأحكام الجائرة يمثل فشلا ذريعا لسياسة الترهيب التي يتبعها النظام منذ سنوات حيث لم تنجح القضبان في كسر إرادتهم أو ثنيهم عن التمسك بمطالب الثورة والحرية والكرامة المستحقة.
من ناحية أخرى يمثل شارع المشير شاهدا صامتا على بشاعة الجرم الذي ارتكب في حق الإنسانية حيث لا تزال آثار الرصاص تذكر المارة بضريبة الدم التي دفعها أبناء الإسكندرية دفاعا عن حقهم في تقرير مصيرهم بعيدا عن الاستبداد.
بالمثل فإن التنسيق الواضح بين قوات الأمن ومجموعات البلطجية المسلحة خلال أحداث سيدي جابر يكشف عن منهجية إجرامية تهدف إلى إشاعة الفوضى وترويع المواطنين لتمهيد الطريق أمام فرض سلطة قمعية شمولية لا تؤمن بالتعددية أو الحوار.
إلى جانب ذلك يطالب المدافعون عن حقوق الإنسان بضرورة فتح تحقيق دولي مستقل في كافة المجازر التي وقعت عام 2013 لضمان عدم إفلات المسؤولين عن إعطاء الأوامر بالقتل من العقاب وتحقيق العدالة الانتقالية المنشودة للشعب المصري.
تأسيسا على ذلك فإن استمرار اعتقال 75 شابا من أبناء الإسكندرية يعد جريمة مستمرة تتطلب تحركا عاجلا من المنظمات الدولية للضغط على النظام المصري لإطلاق سراحهم فورا وإسقاط الأحكام المسيسة الصادرة بحقهم دون وجه حق قانوني.
علاوة على ما ذكر فإن الروح الثورية التي انطلقت من سيدي جابر لا تزال تلهم الأجيال الجديدة التي تدرك أن طريق الحرية معبد بالتضحيات وأن دماء الشهداء هي الوقود الذي سيحرق عروش الظالمين مهما طال زمن الاستعباد.
عدالة غائبة وحقوق مهدرة
في سياق متصل تشير الإحصائيات إلى أن عدد المصابين الذين يعانون من إعاقات دائمة جراء رصاص الأمن يتجاوز العشرات وهم يعيشون اليوم دون أي رعاية طبية أو تعويضات مادية في إهمال متعمد من قبل مؤسسات الدولة.
تبعا لهذا فإن المجتمع الدولي مطالب بالتوقف عن دعم النظام القمعي في مصر وتفعيل آليات المحاسبة الدولية ضد مرتكبي جرائم الحرب ضد المدنيين العزل الذين لم يطالبوا سوى بالعيش في وطن يحترم إنسانيتهم ويصون كرامتهم المهدورة.
خلاصة القول إن ذكرى مذبحة سيدي جابر ستبقى حية في قلوب الأحرار تذكرهم بأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب وأن دماء 15 شهيدا ستظل لعنة تطارد القتلة حتى تتحقق العدالة الكاملة والحرية لكافة المعتقلين الأبطال.

