كشف رئيس الشعبة العامة للمخابز  بالغرفة التجارية بالقاهرة عبد الله غراب أن ما استقر عليه الأمر هو بيع رغيف الخبز بوزن 70 جراما وسعر 150 قرشا، على أن يبدأ تطبيق القرار من أول أغسطس المقبل، بعد إرجائه شهرا.

 

ويضع القرار ملايين المصريين أمام معادلة أكثر قسوة، فرغيف أقل وزنا يأتي بسعر أعلى، بينما تُعاد صياغة تقليص الدعم باعتباره إصلاحا، وتبقى الأسر الفقيرة مطالبة دائما بدفع ثمن أزمات اقتصادية لم تصنعها.

 

 

القيمة الاسمية للرغيف ترتفع 130 قرشا

 

وبالتالي، لا يتعلق الأمر بتعديل فني محدود داخل المخابز، بل بقفزة في السعر المعلن للرغيف من 20 إلى 150 قرشا، بالتزامن مع خفض وزنه من 90 إلى 70 جراما داخل المنظومة الجديدة.

 

كما أن الفارق بين السعرين يعني أن القيمة الاسمية للرغيف ترتفع بمقدار 130 قرشا، بينما يفقد المستهلك في الوقت نفسه 20 جراما من وزنه، لتجمع المعادلة الجديدة بين زيادة السعر وتقليص كمية الخبز.

 

غير أن الحكومة تقدم قيمة 150 قرشا باعتبارها التكلفة الكاملة للرغيف التي ستدخل حسابات الدعم النقدي، بينما يبقى السؤال الاجتماعي الأهم هو قدرة الأسر على حماية حصتها من الخبز مع تقلب الأسعار.

 

علاوة على ذلك، أكد وزير التموين شريف فاروق أن المخابز ستلتزم بسعر موحد قدره 150 قرشا لرغيف يزن 70 جراما، سواء كان بلديًا أو سياحيًا، ما يمنح الأرقام بعدا حكوميا يتجاوز تصريحات الشعبة.

 

ومن ثم، فإن ما كان يطرح سابقا باعتباره تصورا أو توجها داخل مناقشات التحول إلى الدعم النقدي بات أقرب إلى صيغة تنفيذية معلنة، بعد حديث غراب عن الاستقرار على السعر والوزن وموعد التطبيق.

 

في المقابل، كان المواطن يحصل على 5 أرغفة يوميا بسعر 20 قرشا للرغيف، بينما تتحمل الدولة فارق التكلفة، وتنتج المنظومة يوميا ما بين 250 و270 مليون رغيف للمستفيدين من البطاقات.

 

لذلك، لا يمكن اختزال القرار في عبارة توحيد السعر، لأن الخبز بالنسبة إلى ملايين الأسر ليس سلعة هامشية، بل مكون يومي يعوض نقص اللحوم والبروتينات والوجبات الأعلى تكلفة داخل بيوت أنهكها الغلاء.

 

وفوق ذلك، سبق أن خفضت الحكومة وزن الرغيف من 110 إلى 90 جراما عام 2020، قبل أن تظهر الصيغة الجديدة عند 70 جراما، بما يكشف مسارا متدرجا يتقلص فيه الرغيف مرحلة بعد أخرى.

 

وبهذا المعنى، يكون الرغيف قد فقد 40 جراما من وزنه مقارنة بوزن 110 جرامات، أي أن مسار الإصلاح الحكومي لم يحم حجم السلعة الأساسية، بل أعاد تقليصها كلما اشتدت الضغوط المالية.

 

 

أغسطس يفتح باب الدعم النقدي على غذاء 68 مليون مواطن

 

بناء على ذلك، يصبح موعد أول أغسطس أكثر من مجرد تاريخ لتغيير مواصفات الرغيف، لأنه يرتبط بتحول أوسع في فلسفة الدعم، وانتقال القيمة من سلعة محددة إلى رصيد نقدي تستخدمه الأسرة وفق احتياجاتها.

 

في السياق نفسه، أوضح غراب أن تطبيق صيغة 70 جراما و150 قرشا كان مقررا في أول يوليو قبل إرجائه إلى أول أغسطس، بينما اقترحت الشعبة الإبقاء على وزن 90 جراما وتقليل الحصة اليومية.

 

مع ذلك، فإن اقتراح تقليل الحصة من 5 إلى 4 أرغفة لا يخرج المواطن من الخسارة، لأنه يستبدل خفض الوزن بخفض العدد، لتبقى النتيجة النهائية كمية أقل من الخبز داخل الأسرة.

 

من ناحية أخرى، يقدر عدد المستفيدين من دعم الخبز بنحو 68 مليون مواطن، ما يجعل أي تعديل في السعر أو الوزن أو طريقة الصرف قرارا يمس غالبية السكان، وليس تجربة محدودة لفئة صغيرة.

 

وعلى هذا الأساس، يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد أن منظومة الدعم تشمل نحو 68 مليون مستفيد من الخبز، مؤكدا وجود فاقد كبير داخل النظام العيني، وهو ما تستخدمه الحكومة مبررا لإعادة هيكلته.

 

لكن تشخيص الهدر لا يبرر تلقائيا تقليص الرغيف أو تعريض قيمته للتآكل، لأن علاج التسرب يفترض ملاحقة مناطق الفساد والفاقد، لا نقل مخاطر المنظومة من أجهزة الدولة إلى جيوب المواطنين.

 

فضلا عن ذلك، خصص مشروع موازنة العام المالي 2026 و2027 نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية والخبز، منها نحو 133.8 مليار جنيه لدعم الخبز وحده.

 

وبالمقابل، فإن ضخامة المخصصات تجعل الشفافية أكثر إلحاحا، إذ يحتاج المواطن إلى معرفة مقدار ما سيضاف إلى رصيده، وكيف سيُحدّث مع التضخم، ومن سيتحمل ارتفاع السعر إذا تجاوزت التكلفة لاحقا 150 قرشا.

 

لهذا السبب، حذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من غياب رؤية واضحة لآليات الدعم النقدي، معتبرا أن الخبز سلعة غير مرنة ولا يملك الفقير بديلا حقيقيا عنها، وسيضطر لشرائها مهما ارتفع سعرها.

 

تباعا، تكشف ملاحظة عبده مكمن الخطر الحقيقي، فالقيمة النقدية التي تبدو كافية عند لحظة إطلاق النظام قد تفقد قدرتها الشرائية تدريجيا، بينما يبقى المواطن مضطرا إلى شراء الرغيف ولو تغير سعره.

 

 

رغيف أصغر وحساب أكبر والفقراء أمام المجهول

 

إضافة إلى ذلك، يصبح الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي اختبارا لتاريخ طويل من التضخم وتراجع القوة الشرائية، لأن أي مبلغ ثابت يفقد جزءا من قيمته مع ارتفاع الأسعار، بعكس الحصة العينية المحددة.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد وزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق أن الدعم النقدي لا يكون أكثر كفاءة إلا وفق شروط تضمن حماية قيمته، وهو تحذير يكتسب أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بسلعة يومية كالخبز.

 

كذلك، سبق لعبد الخالق أن انتقد تضخيم عبء دعم الخبز مقارنة ببنود أخرى في الموازنة، مشيرا إلى أن دعم الرغيف يمثل نسبة محدودة قياسا بأعباء خدمة الدين، ما يفتح سؤال الأولويات.

 

ومن ناحية إنسانية، لا تقرأ الأسرة الفقيرة الموازنة بالنسب والمليارات، بل تحسب عدد الأرغفة التي تكفي أطفالها حتى نهاية اليوم، ولهذا يتحول كل جرام مفقود وكل قرش إضافي إلى عبء حقيقي.

 

في الوقت ذاته، تبرر الحكومة التغيير بالسعي إلى توجيه الدعم لمستحقيه ومنح المواطن حرية استخدام قيمته، لكن هذه الحرية تصبح نظرية عندما تكون المخصصات محدودة والأسعار متحركة والخبز حاجة لا يمكن الاستغناء عنها.

 

أمام ذلك، يظل السؤال بلا إجابة حاسمة حول ما إذا كانت قيمة الدعم النقدي ستُراجع دوريا مع التضخم، أم ستبقى ثابتة بينما ترتفع أسعار القمح والطاقة والنقل، فتتآكل الحصة الحقيقية عاما بعد آخر.

 

وبالتوازي، يثير توحيد سعر رغيف 70 جراما عند 150 قرشا مخاوف من نقل السوق كله إلى مستوى سعري جديد، خصوصا مع إلزام المخابز البلدية والسياحية بالمواصفات نفسها وفق تصريحات وزير التموين.

 

وهكذا، لا يبدو القرار مجرد إصلاح لمنظومة الدعم، بل إعادة تسعير لأكثر سلعة التصاقا بحياة المصريين، حيث يصغر الرغيف إلى 70 جراما ويرتفع سعره إلى 150 قرشا في اللحظة نفسها.

 

في المحصلة، تدخل مصر أول أغسطس أمام معادلة شديدة الوضوح، رغيف أقل وزنا وسعر أعلى ومنظومة دعم جديدة، بينما يظل المواطن مطالبا بالثقة في تجربة لم تُنشر ضماناتها الكاملة بعد.

 

وأخيرا، فإن إصلاح الدعم لا يجب أن يبدأ من تقليص رغيف الفقير، بل من ضمان قيمة حقيقية تحميه من التضخم، ومحاسبة الهدر، ونشر قواعد واضحة تمنع تحول 150 قرشا اليوم إلى مبلغ عاجز غدا.